من "طحن الورق" إلى الحصى في الخبز: أزمة ثقة تكشف عن فساد مجتمعي

من


في خضم جدل سياسي مغربي، يبرز تصريح مثير للجدل لرئيس فريق حزب الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، أحمد التويزي، حول استخدامه لعبارة "طحن الورق عوض الدقيق". يوضح التويزي أن المقصود لم يكن حرفياً، بل هو استعارة لوصف فساد متجذر في تزوير الفواتير داخل قطاع المطاحن، مستفيداً من دعم الدولة السخي. هذا التأويل يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات حول مدى عمق المشكلة، وهل تمتد لتطال جودة المنتج النهائي الذي يصل إلى المستهلك؟

لا يمكن فصل تصريح التويزي عن السياق العام للمغرب، حيث تعتمد شرائح واسعة من المجتمع على دعم الدولة للمواد الأساسية، وفي مقدمتها الدقيق. وعندما يتعلق الأمر بفساد يستنزف هذه الموارد، فإن الخسارة لا تقتصر على المال العام، بل تمتد لتشمل فقدان ثقة المواطن في المنظومة برمتها. فعبارة "المواطن يجد الأحجار في الخبز" ليست مجرد قصة متداولة، بل هي عرض صارخ لفساد يمس لقمة العيش، ويكشف عن فشل في آليات الرقابة والمحاسبة.

من وجهة نظري، فإن اعتبار عبارة "طحن الورق" مجازاً لغوياً هو محاولة لتخفيف وطأة الخبر، ولكنه لا يلغي حقيقة أن هناك ممارسات مشبوهة تستنزف أموالاً طائلة مخصصة لدعم المواطنين. إن "لوبي المطاحن" الذي أشار إليه التويزي، إن كان له وجود حقيقي، فهو يمثل رمزاً لمصالح خاصة تتجاوز المصلحة العامة. والمشكلة الحقيقية تكمن في أن هذه المصالح غالباً ما تكون محصنة، مما يصعب كشفها ومواجهتها بفعالية.

إن استهداف النقاش بتحويله إلى "بوليميك" كما ذكر التويزي، يعكس استراتيجية قديمة لتشتيت الانتباه عن جوهر المشكلة. بدلاً من التركيز على محاسبة المسؤولين عن الفساد أو إعادة النظر في آليات الدعم لضمان وصوله لمستحقيه، نجد أنفسنا أمام سجالات جانبية. هذا التكتيك يؤدي إلى مزيد من الإحباط لدى المواطن الذي يرى أن قضاياه الأساسية تُهمش لصالح صراعات سياسية لا تقدم حلولاً ملموسة.

في الختام، فإن قضية "الدقيق الورقي" والأحجار في الخبز ليست مجرد حادثة عابرة، بل هي مؤشر على خلل أعمق في البنية الاقتصادية والاجتماعية. إن استعادة ثقة المواطن تتطلب شفافية مطلقة، ومساءلة صارمة، وإصلاحات جذرية تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه دون تلاعب أو فساد. يجب أن يتحول التركيز من المجازات اللغوية إلى الأفعال الملموسة التي تضمن خبزاً صحياً وآمناً لكل مواطن، وتحمي المال العام من المستغلين.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url