صرخة من أجل المستشفى العمومي: تمويل مستدام.. لا رفاهية بل ضرورة!
في خضم التطلعات الكبيرة لنظام التغطية الصحية الشاملة، الذي يهدف إلى توفير الأمان الصحي لكل مواطن، تبرز أصواتٌ تُذكّر بأن الوصول إلى العلاج لا يكتمل إلا بوجود مؤسسات صحية قوية قادرة على تقديم الخدمات بجودة وكفاءة. في هذا السياق، وجهت جمعية بارزة تُعنى بالحق في الصحة نداءً صريحًا إلى أعلى المستويات الحكومية، مطالبةً بوضع استراتيجية لضمان تمويل المستشفيات الحكومية بشكل فعّال ومستمر، وذلك ضمن الإطار الجديد للتغطية الصحية الشاملة، مؤكدة أن الأمر لا يتعلق برفاهية بل بضرورة قصوى لنجاح هذا التحول.
لا شك أن الجهود الحكومية المبذولة لتأمين التغطية الصحية لكل شرائح المجتمع، والتي تتجلى في رصد ميزانيات ضخمة تتجاوز التسعة مليارات درهم سنوياً، تستحق التقدير. هذه الخطوات تمثل ركيزة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية في قطاع الصحة. ومع ذلك، تشير هذه الدعوة إلى وجود فجوة محتملة بين توفير إطار التغطية التأمينية وبين القدرة الفعلية للمؤسسات العلاجية على استيعاب هذا الإقبال المتزايد وتقديم الرعاية المطلوبة بكفاءة. فالتأمين الصحي، رغم أهميته القصوى، ليس كافياً بحد ذاته لضمان مستشفى مُجهز بأحدث التقنيات وطاقم طبي مؤهل ومتحفز.
المستشفى العمومي هو الركيزة الأساسية للحق في الصحة بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين، لا سيما الفئات الهشة والمحرومة التي ستجد في نظام التغطية الشاملة أملها الوحيد في العلاج. إن هذه المرافق، رغم التحديات، تُعد الملاذ الأول والأخير للكثيرين، ونجاح أي سياسة صحية وطنية مرهون بشكل مباشر بمدى قدرتها على توفير خدمات صحية لائقة ومتاحة للجميع. فكيف يمكن أن نتحدث عن تغطية صحية شاملة إذا كانت المؤسسات التي يُفترض أن تقدم هذه الخدمات تعاني من نقص في التمويل أو ضعف في البنية التحتية والموارد البشرية؟
إن نقص التمويل المستدام للمستشفيات العمومية لا يهدد جودة الخدمات فحسب، بل يمكن أن يؤدي إلى تدهور المنظومة الصحية بأكملها. فالخدمات المتردية، طوابير الانتظار الطويلة، ونقص التجهيزات الحديثة، كلها عوامل تُعيق تحقيق الأهداف السامية للتغطية الصحية الشاملة. الأمر يتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز مجرد الرصد المالي العام، لتشمل آليات تمويل مباشرة وشفافة للمستشفيات، تُمكنها من تطوير بنيتها التحتية، وتحديث معداتها، وتأهيل أطرها الطبية وشبه الطبية، بل وتحفيزها على البقاء في القطاع العام. إنه استثمار في رأس المال البشري للمغرب، وليس مجرد إنفاق عابر.
في الختام، يُشكل هذا النداء نقطة تحول حاسمة يجب على صانعي القرار استيعابها. فإطلاق نظام تغطية صحية شاملة يفرض مسؤولية مضاعفة لضمان أن تكون البنية التحتية الصحية جاهزة لاستقبال الملايين من المستفيدين الجدد. إن تحقيق الحق في الصحة لكل مواطن يتطلب أكثر من مجرد بطاقة تأمين؛ إنه يستدعي مستشفى عمومي قوي، مزدهر، وممول بذكاء واستدامة. فالمستقبل الصحي للمغرب رهين اليوم بالقرارات الشجاعة والواقعية التي تتخذها الحكومة لتمكين هذه المؤسسات من أداء دورها الحيوي على أكمل وجه.