العدالة المالية في صدارة الاهتمام: إحالات المجلس الأعلى للحسابات تضيء مسار المساءلة
تبدأ قصة أي أمة نحو التقدم بالشفافية والمساءلة، وهما حجر الزاوية في بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها. في هذا السياق، تضطلع مؤسسات مثل المجلس الأعلى للحسابات بدور محوري في ضمان سلامة الأموال العمومية وحمايتها من أي تجاوزات. تعكس التطورات الأخيرة في المشهد القضائي المالي التزاماً متزايداً بهذه المبادئ، وتبعث برسالة واضحة حول جدية المغرب في مكافحة كل أشكال الفساد المالي الذي قد يعيق التنمية.
في إطار حرصها على الكشف عن مجهودات الرقابة المالية، ألقت الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، السيدة زينب العدوي، الضوء على حجم العمل المنجز. فقد كشفت العدوي عن تحويل الوكيل العام للملك لدى المجلس، خلال الفترة الممتدة من عام 2021 وحتى أكتوبر 2025، 55 ملفاً إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، وذلك لاحتوائها على قرائن تشير إلى أفعال قد تستوجب عقوبات جنائية. هذه الإحالات لا تمثل مجرد أرقام، بل هي شهادة على يقظة مستمرة وتتبع دقيق للمخالفات المالية المحتملة.
يشكل هذا العدد من الملفات المحالة، والذي يغطي فترة زمنية ليست بالقصيرة، مؤشراً قوياً على فعالية آليات الرقابة التي يمارسها المجلس الأعلى للحسابات. إن إحالة هذه الملفات إلى القضاء الجنائي يدل على جدية التعامل مع اختلالات قد تمس بالمال العام، ويعزز مبدأ عدم الإفلات من العقاب. هذا التنسيق بين المجلس والنيابة العامة يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحوكمة الرشيدة، ورفع مستوى الشفافية في تدبير الشؤون المالية العمومية، مما يعكس إرادة سياسية واضحة لمواجهة التجاوزات.
إن الأثر المتوقع لهذه الإحالات يتجاوز مجرد المعالجة القضائية للمخالفات الفردية. فهي ترسل إشارة ردعية قوية لكل من تسول له نفسه التلاعب بالأموال العمومية أو استغلال المنصب لتحقيق مكاسب غير مشروعة. هذا النوع من الإجراءات يعزز المناخ العام للنزاهة، ويشجع على الالتزام بالقوانين والقواعد المنظمة للتدبير المالي. كما أنه يساهم في بناء ثقة المواطنين في المؤسسات، مؤكداً أن هناك عين ساهرة على المال العام، وأن أي محاولة للمساس به ستواجه بالصرامة اللازمة.
وفي الختام، يبرز الدور المحوري للمجلس الأعلى للحسابات كمؤسسة ضامنة للشفافية والمساءلة المالية. إن الإعلان عن هذه الإحالات ليس سوى جزء من مجهود مستمر يهدف إلى تطهير الساحة المالية من أي شبهات، وتعزيز دعائم دولة القانون. إن المضي قدماً في هذا المسار، بتعاون فعال بين مختلف الأجهزة الرقابية والقضائية، هو السبيل لضمان بيئة مالية سليمة ومستدامة، تعود بالنفع على المجتمع برمته، وتؤكد التزام المغرب الراسخ بمبادئ الحوكمة الجيدة ومكافحة الفساد بكل أشكاله.