سيون أسيدون: وداع يليق بمناضل تخطى الحواجز.. والعلم الفلسطيني شاهدًا في الدار البيضاء
في مشهد مهيب يختزل عقودًا من الالتزام الإنساني والوطني، ودعت مدينة الدار البيضاء أحد أبرز رموزها النضالية، سيون أسيدون، إلى مثواه الأخير يوم الأحد. كان أسيدون، بميراثه اليهودي المغربي العميق، يمثل جسرًا حيًا يربط بين مختلف مكونات الهوية المغربية، لكن نضاله تجاوز كل التصنيفات الضيقة، ليصبح صوتًا مدويًا للعدالة وحقوق الإنسان التي آمن بها حتى الرمق الأخير.
لم تكن الجنازة مجرد مراسم وداع تقليدية، بل تحولت إلى محطة رمزية عكست حجم التأثير الذي تركه الراحل في المشهد الوطني والدولي. فقد احتشد في المقبرة اليهودية بالحي المحمدي حشد غفير من الشخصيات البارزة، ممثلين لتيارات سياسية وحقوقية وإعلامية متنوعة، جاؤوا جميعًا ليقدموا شهادة حية على التفاني الذي أظهره أسيدون في الدفاع عن قضايا الوطن والأمة، وليؤكدوا على الروابط العميقة التي جمعتهم به في مسارات نضالية عديدة، كانت تستهدف دائمًا بناء مجتمع أكثر عدلاً ومساواة.
المشهد الأكثر تأثيرًا وتعبيرًا، والذي سيظل راسخًا في الذاكرة الجمعية، كان حضور العلم الفلسطيني وهو يرفرف مودعًا جثمان أسيدون إلى قبره. لم يكن هذا مجرد عرض عابر، بل تجسيدًا بليغًا لمسيرة حياة كرسها الرجل للدفاع عن القضية الفلسطينية كقضية مركزية للتحرر والعدالة. إن وجود هذا الرمز الخالد في مقبرة يهودية بالدار البيضاء، يحمل في طياته رسائل عميقة تتجاوز الحدود الجغرافية والدينية، مؤكدًا أن النضال من أجل فلسطين هو نضال إنساني عالمي، وأن التضامن لا يعرف حواجز، بل يرتكز على مبادئ الحق والإنصاف.
تكمن عبقرية أسيدون، من وجهة نظري، في قدرته على الجمع بين مكونات هويته المتعددة - كمغربي يهودي المولد - وبين التزامه المطلق بقضايا المظلومين في كل مكان، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. لقد كان مثالًا ساطعًا على أن الانتماء الديني أو العرقي لا يتعارض مع النضال من أجل العدالة الكونية، بل يمكن أن يكون حافزًا له. لقد تحدى الراحل الكثير من المفاهيم النمطية، وأثبت أن قيم الحق والحرية هي قيم مشتركة تتجاوز الانقسامات المصطنعة، وقادر على توحيد القلوب والعقول حول المبادئ السامية.
إن رحيل سيون أسيدون ليس نهاية فصل، بل هو دعوة لتأمل واستلهام. فجنازته لم تكن مجرد وداع لرجل، بل كانت احتفاءً بفكرة، بفكرة النضال المستمر من أجل عالم أكثر عدلاً وإنصافًا. إن المشهد الذي جمع هذا التنوع الكبير في وداع رمز بحجم أسيدون، وعلى وقع العلم الفلسطيني، يؤكد أن المغرب، برغم كل التحديات، يظل فضاءً يتسع لكل أبنائه وتوجهاتهم النضالية، وأن جذور التضامن والأممية لا تزال عميقة. لتبقى ذكرى أسيدون حافزًا للأجيال القادمة لمواصلة مسيرة الحق والعدالة، وأن يرتفع صوت الضمير الحي فوق كل الصراعات.