تحول الثقة: 73% من المغاربة يثقون في القضاء.. هل اختفى شبح الفساد؟

تحول الثقة: 73% من المغاربة يثقون في القضاء.. هل اختفى شبح الفساد؟


لطالما كان القضاء في العديد من الدول النامية، وفي المغرب تحديداً، هدفاً سهلاً للانتقادات الحادة. تصوّرت المخيلة الشعبية والمنابر الإعلامية صورة نمطية للقاضي كشخصية بيروقراطية غارقة في الفساد، يُمكن شراؤها أو بيعها. كانت القصص المتداولة عن الرشوة والمحسوبية هي المقياس السائد لتقييم المنظومة القضائية بأكملها. لكن، في تحول لافت للنظر، كشفت دراسة حديثة أجرتها شبكة “أفروباروميتر” عن بيانات صادمة تناقض هذا التصور بشكل جذري. الدراسة، التي تُعنى بقياس تقييم الحوكمة والديمقراطية في أفريقيا، أظهرت أن 73% من المغاربة الذين يتعاملون مع القضاء يثقون في هذه المؤسسة. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية عابرة، بل هو مؤشر قوي على تحول عميق في العلاقة بين المواطن والمؤسسة القضائية، وتراجع ملحوظ لصورة القضاة الفاسدين التي كانت مهيمنة في الذاكرة الجمعية. إنها نقطة تحول تستدعي التوقف عندها لتحليل الأسباب الكامنة وراء هذا الارتفاع المفاجئ في مؤشر الثقة، وما إذا كان هذا الارتفاع يعكس واقعاً جديداً أم مجرد شعور مؤقت.

التحليل الدقيق لبيانات الدراسة يكشف عن جانب مثير للاهتمام: الثقة تزداد بشكل خاص بين الأشخاص الذين لديهم اتصال مباشر بالنظام القضائي. هذا التباين بين من يختبرون النظام ومن يسمعون عنه فقط يحمل دلالات عميقة. فغالباً ما تتشكل التصورات العامة عن المؤسسات الحكومية، لا سيما القضاء، بناءً على تجارب سلبية سابقة أو عبر قصص تُروى، وليس بالضرورة بناءً على الواقع الحالي. تشير هذه النتيجة إلى أن الإصلاحات التي شهدتها المنظومة القضائية المغربية خلال السنوات الأخيرة، ربما لم تُغير الصورة العامة للمؤسسة فحسب، بل أثرت بشكل مباشر على تجربة المواطن الذي يضطر للجوء إلى المحاكم. ففي الماضي، كان المواطن يرى في الذهاب إلى المحكمة مغامرة محفوفة بالخوف والغموض، وتوقع التكلفة غير المعلنة للرشوة كجزء من العملية. اليوم، يبدو أن التجارب الفعلية بدأت تدحض هذه القناعة الراسخة، مع تحسن في الشفافية وسرعة البت في القضايا، مما يساهم في بناء جسور الثقة المفقودة. هذا الارتفاع في الثقة بين المستخدمين الفعليين للنظام يشير إلى أن الإصلاحات ليست مجرد حبر على ورق، بل إنها بدأت تترجم إلى ممارسات يومية ملموسة.

لا يمكن فصل هذا التحول الإيجابي عن الجهود الكبيرة التي بذلها المغرب لتعزيز استقلالية القضاء وإصلاح منظومة العدالة. فبعد الإصلاحات الدستورية لعام 2011، تحول القضاء من كونه سلطة تابعة للسلطة التنفيذية إلى سلطة مستقلة بذاتها، وهو ما يعد ركناً أساسياً لضمان النزاهة. كما شهدت الفترة الأخيرة إطلاق برامج طموحة لمكافحة الفساد وتحديث البنية التحتية للمحاكم، بما في ذلك رقمنة الإجراءات القضائية. هذه الرقمنة، على وجه الخصوص، لعبت دوراً حاسماً في تقليل الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، وبالتالي تقليل فرص الرشوة والابتزاز. بالإضافة إلى ذلك، ساهمت عملية تجديد المؤسسات القضائية وتفعيل دور المجلس الأعلى للسلطة القضائية في تعزيز الحوكمة والمساءلة الداخلية للقضاة. كل هذه الخطوات، مجتمعة، خلقت بيئة جديدة للمتقاضين، حيث أصبحت الشفافية هي القاعدة بدلاً من الاستثناء، مما أدى بالضرورة إلى تحسين تقييم المواطنين لأداء القضاة والمنظومة ككل. إن هذا التطور يعكس وعياً حكومياً بأهمية العدالة كركيزة أساسية للتنمية البشرية والاقتصادية.

رغم الصورة الإيجابية التي ترسمها الدراسة، فإن الطريق نحو تحقيق عدالة شاملة ومتساوية لا يزال طويلاً. فالدراسة نفسها أشارت إلى تحدي رئيسي يواجه النظام القضائي: صعوبة الوصول إلى المساعدة القضائية. لا يمكن أن تكون العدالة فعالة إذا كانت مقتصرة على شريحة معينة من المجتمع القادرة على تحمل تكاليفها الباهظة. فالمواطن الفقير أو المحروم الذي لا يمتلك الموارد الكافية لتوكيل محامٍ، أو لا يجد الدعم القانوني اللازم، يظل يواجه تحديات هائلة، حتى لو كان القضاء نفسه نزيهًا. هذا النقص في الوصول إلى المساعدة القضائية يهدد مبدأ المساواة أمام القانون، ويهدد بتقويض الثقة التي بُنيت بشق الأنفس. فالثقة في القضاء لا تعني فقط عدم وجود فساد، بل تعني أيضاً أن النظام يخدم الجميع بشكل عادل، بغض النظر عن خلفيتهم الاجتماعية أو وضعهم الاقتصادي. لذلك، يجب على الجهات المسؤولة أن تدرك أن تحسين الوصول إلى العدالة هو التحدي القادم، وأن إصلاح النظام القضائي لا يكتمل إلا بتوفير الدعم القانوني المجاني للمحتاجين.

في الختام، يُمكن النظر إلى نتائج دراسة أفروباروميتر كرسالة إيجابية مشجعة للمغرب، وتأكيد على أن الإصلاحات الهيكلية يمكن أن تُؤتي ثمارها. إن ارتفاع الثقة في القضاء، وتراجع صورة القاضي الفاسد، يمثلان خطوة عملاقة نحو تعزيز دولة الحق والقانون. هذا التحول ليس مجرد فخر وطني، بل هو محفز للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. عندما يثق المواطن في القضاء، يصبح أكثر استعداداً للاستثمار والمشاركة في بناء المجتمع. ومع ذلك، يجب أن يظل المسؤولون حذرين من الوقوع في فخ الرضا عن الذات. فالتحديات لا تزال قائمة، خاصة فيما يتعلق بضمان وصول العدالة للجميع، ومواصلة جهود مكافحة الفساد في جميع المستويات الإدارية والقضائية. إن الحفاظ على هذا المستوى من الثقة يتطلب استمراراً في الإصلاح، وشفافية أكبر، ومواجهة للتحديات المتبقية بشجاعة. إن المسار الذي يسلكه المغرب نحو بناء منظومة قضائية حديثة وعادلة هو مسار واعد، ويجب الحفاظ على زخم الإصلاح لضمان مستقبل تزدهر فيه العدالة للجميع.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url