ما وراء السرد العسكري: هل ينهي مقتل القائد الإرهابي الصراع في بورنو؟akhbar-sa3a
في خضم التحديات الأمنية المعقدة التي تواجهها نيجيريا، برزت تقارير عن عملية عسكرية نوعية في ولاية بورنو. أعلن الجيش النيجيري عن إنجاز كبير، تمثل في القضاء على قائد إرهابي بارز، إضافة إلى عدد من عناصره، كان من بينهم مصوره الخاص. هذا الخبر، وإن كان يبدو للوهلة الأولى مجرد انتصار تكتيكي ضمن حرب استنزاف طويلة، إلا أنه يحمل دلالات أعمق بكثير تتعلق بطبيعة الصراع في شمال شرق البلاد، ويفتح الباب أمام تساؤلات حول فعالية استراتيجية استهداف القادة في حرب العصابات. إن بورنو، التي كانت مهدًا للتمرد المسلح، تشهد منذ سنوات عملية عسكرية مستمرة تُعرف باسم «هادين كاي»، تهدف إلى القضاء على جماعات متطرفة مثل بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا (ISWAP). هذه العملية الأخيرة، التي تصفها الأوساط الأمنية بالناجحة، لا تمثل مجرد إزالة لتهديد فردي، بل تسلط الضوء على الأبعاد المتعددة للحرب التي لا تقتصر على الاشتباكات المباشرة، بل تمتد لتشمل الحرب النفسية والإعلامية.
استراتيجية «قطع الرأس» (Decapitation Strategy)، التي تعتمد على تصفية القيادات العليا في التنظيمات الإرهابية، هي تكتيك قديم ومتجدد، لكن فعاليته محل جدل عميق بين الخبراء العسكريين. ففي حين أن القضاء على قائد يتمتع بالكاريزما أو القدرة على التخطيط قد يسبب ارتباكاً مؤقتاً في صفوف التنظيم، إلا أن الخبرة التاريخية تُظهر أن هذه الاستراتيجية نادراً ما تؤدي إلى تفكيك التنظيم بشكل كامل. غالبًا ما تتمتع التنظيمات المسلحة في بيئة مثل شمال شرق نيجيريا بهيكل تنظيمي مرن وغير مركزي، ما يسمح لها بتجديد قيادتها بسرعة. قد يؤدي مقتل القائد إلى صراعات داخلية على السلطة، لكنه في كثير من الأحيان يسرع من ظهور جيل جديد من القادة أكثر تطرفاً وشراسة. إن الاعتقاد بأن إزالة فرد واحد يمكن أن يغير مسار حرب قائمة على عقيدة وأسباب اجتماعية واقتصادية عميقة الجذور هو تبسيط مخل. هذه الجماعات ليست مجرد مجموعة من الأشخاص، بل هي شبكات اجتماعية تعتاش على الفشل الحكومي واليأس المجتمعي. لذلك، فإن هذا النجاح التكتيكي يجب أن يُقرأ بحذر، بعيداً عن الاحتفالات المبالغ فيها التي قد تخفي الطبيعة المعقدة للمشكلة الأساسية.
الجانب الأكثر أهمية في هذا الخبر ليس مقتل القائد نفسه، بل الإشارة إلى مصوره الخاص. هذا التفصيل يفتح نافذة على الأبعاد الحديثة للحرب، وهي البعد الإعلامي والدعائي. التنظيمات الإرهابية المعاصرة لا تشن حربها في الميدان فحسب، بل على الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي. هؤلاء المقاتلون يعتمدون بشكل كبير على الإعلام المرئي لتوثيق عملياتهم، ونشر رسائلهم، وتجنيد عناصر جديدة، وبناء صورتهم كقوة قادرة على تحدي سلطة الدولة. وجود «مصور» محترف ضمن التشكيل القتالي يُظهر مدى أهمية آلة الدعاية بالنسبة لهذه الجماعات، فهي جزء لا يتجزأ من استراتيجيتها. القضاء على هذا الشخص مع القائد يوجه ضربة مزدوجة؛ فهو لا يزيل القوة العسكرية فحسب، بل يقطع أيضًا شريان الدعاية الذي يمد التنظيم بالحياة. في بيئة تسيطر عليها الأمية وتعتمد على السمع والبصر، فإن السيطرة على السرد الإعلامي لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض. وبالتالي، فإن هذا النجاح العسكري يعد أيضًا انتصارًا في حرب الأدمغة والأعصاب، من خلال تدمير القدرة على توثيق الأحداث ونشرها.
لكن يجب أن ندرك أن هذه الانتصارات العسكرية، مهما كانت رمزيتها، لا يمكن أن تحل المشكلة الأساسية دون معالجة الأسباب الجذرية للصراع. شمال شرق نيجيريا يواجه أزمة إنسانية مزمنة، حيث نزح الملايين من منازلهم، وتوقفت الزراعة، وانهارت الخدمات التعليمية والصحية. هذه البيئة الخصبة هي التي سمحت للجماعات المتطرفة بالنمو والتوسع. يستغل المتطرفون حالة اليأس والفقر لتقديم أنفسهم كبديل للسلطة المركزية الفاسدة أو الغائبة. إن غياب التنمية الاقتصادية، والبطالة المرتفعة بين الشباب، وضعف المؤسسات الحكومية، كلها عوامل تغذي التمرد. لا يمكن تحقيق سلام دائم في بورنو والمناطق المجاورة بمجرد مطاردة القادة العسكريين. يتطلب الأمر استراتيجية شاملة تركز على إعادة تأهيل البنية التحتية، توفير فرص العمل، إعادة دمج النازحين، وتوفير العدالة الاجتماعية. إن النجاح العسكري يصبح بلا معنى إذا لم يتبعه جهد موازٍ في بناء الدولة وتحقيق الاستقرار المجتمعي.
في الختام، بينما يُحتفى بهذا الإنجاز العسكري في نيجيريا، فمن الضروري أن ننظر إلى الصورة الأكبر. هذا الصراع ليس مجرد معركة بين الجيش والمتمردين؛ إنه صراع من أجل مستقبل نيجيريا. إن مقتل قائد إرهابي هو بلا شك خطوة إيجابية نحو تحقيق الاستقرار، لكنه ليس نقطة النهاية. الاستراتيجية الفعالة لمكافحة الإرهاب يجب أن تتجاوز مجرد العمليات العسكرية وتتبنى نهجًا متعدد الأوجه. يجب أن تستثمر الحكومة النيجيرية في التعليم، والتنمية الاقتصادية، وبناء الثقة مع المجتمعات المحلية. لا يمكن إنهاء التمرد إلا عندما يشعر السكان بأن لهم مصلحة في دعم الدولة. إن استمرار هذا الصراع، رغم كل النجاحات العسكرية، هو دليل على أن الحلول السريعة والتكتيكية وحدها لن تنجح. يجب أن يكون هذا الخبر حافزًا لإعادة تقييم شاملة للاستراتيجية الوطنية لمواجهة الإرهاب، والتحول من التكتيكات العسكرية البحتة إلى بناء مجتمع صامد وقادر على مقاومة الفكر المتطرف.