قيس سعيّد بين وهم الشعبية وسيادة الهوية: هل تونس تستقوي بالخارج؟akhbar-sa3a

قيس سعيّد بين وهم الشعبية وسيادة الهوية: هل تونس تستقوي بالخارج؟


لقد أصبحت الذكرى الخامسة عشرة لاندلاع الثورة التونسية، التي أطاحت بحكم زين العابدين بن علي، مصدر جدل عميق يفوق بكثير الاحتفال السنوي التقليدي. ففي الوقت الذي كان من المفترض أن تكون هذه المناسبة رمزاً للسيادة الوطنية والفخر بالتحول الديمقراطي، تحولت إلى ساحة صراع سياسي اتهمت فيه المعارضة التونسية نظام الرئيس قيس سعيّد بالاستقواء بالخارج لتلميع صورته. لم يكن الخلاف حول الإجراءات الأمنية أو التنظيم، بل حول حضور لافت لمواطنين جزائريين في الاحتفالات الرسمية التي حشد لها النظام. هذه الواقعة لم تمر مرور الكرام، بل أشعلت فتيل الاتهامات الموجهة لسعيّد باستغلال علاقاته الإقليمية لتعويض النقص في الدعم الداخلي. تُثير هذه الاتهامات تساؤلات جوهرية حول حقيقة الشعبية التي يدعيها الرئيس، وعن مدى استعداده لتقديم تنازلات على حساب الهوية الوطنية والسيادة التونسية في سبيل تعزيز قبضته على السلطة. إن المفارقة هنا تكمن في أن الثورة التي قامت على مبدأ الكرامة الوطنية والاستقلال التام عن أي وصاية، يُحتفل بها الآن في ظل اتهامات بانتهاك السيادة من قبل النظام القائم نفسه. هذه الحادثة لا تُعد مجرد خلاف سياسي عابر، بل هي انعكاس لأزمة شرعية عميقة تواجه النظام التونسي الحالي، وتحدٍ مباشر لمفهوم الدولة الوطنية في سياق إقليمي مضطرب.

إن تتبع المسار السياسي للرئيس قيس سعيّد منذ صعوده إلى السلطة يكشف عن تحول جذري في استراتيجيته. فبعد أن حظي بدعم شعبي كبير في البداية، خاصة بعد إجراءات 25 يوليو 2021 التي علّق فيها البرلمان وسيطر على السلطات، بدأت قاعدته الشعبية تتآكل تدريجياً. هذا التآكل كان نتيجة لعدة عوامل، أبرزها الأزمة الاقتصادية الخانقة التي لم ينجح في حلها، وغياب الرؤية الواضحة لمستقبل البلاد، بالإضافة إلى ما يصفه النقاد بالاتجاه نحو الحكم الفردي وتقويض مؤسسات الدولة الديمقراطية. في هذا السياق، أصبحت المظاهرات الحاشدة، التي كانت سمة مميزة لـ”الحشد الشعبي” الذي يعتمد عليه سعيّد، أمراً صعب المنال. وهنا يبرز تفسير المعارضة لحادثة الاستعانة بالجزائريين في احتفالات الثورة: إنها محاولة يائسة لملء فراغ الشعبية الحقيقية التي فقدها النظام. لقد ارتكزت حملة سعيّد الانتخابية وحكمه اللاحق على فكرة الشعبوية المباشرة، حيث يرى نفسه ممثلاً وحيداً للإرادة الشعبية ضد النخب الفاسدة. ولكن عندما يفشل هذا النموذج في تحقيق النتائج المرجوة، يصبح اللجوء إلى استعراضات القوة المصطنعة أمراً حتمياً. الاستعانة بفاعلين خارجيين لتجميل الصورة الداخلية هي في الواقع اعتراف ضمني بضعف القاعدة الشعبية وفشل الخطاب الشعبوي في الحفاظ على جاذبيته. هذه الاستراتيجية لا تهدف فقط إلى تلميع صورة النظام أمام الرأي العام الداخلي، بل أيضاً لتقديم صورة قوة مصطنعة للأطراف الإقليمية والدولية.

يجب النظر إلى اتهامات الاستعانة بالجزائر في إطارها الجيوسياسي الأوسع. فمنذ تولي الرئيس سعيّد السلطة، شهدت العلاقات التونسية الجزائرية تقارباً ملحوظاً، تجاوز مجرد التنسيق الثنائي إلى ما يشبه التحالف الاستراتيجي. هذا التحالف يأتي في سياق إقليمي معقد، حيث تتصاعد التوترات بين الجزائر والمغرب، وتزداد حدة الصراع على النفوذ في منطقة الساحل والصحراء. وبالنظر إلى هذا المشهد، فإن اتهام المعارضة التونسية بأن سعيّد يستقوي بالجزائر لتلميع شعبيته الوهمية، لا ينفصل عن المخاوف العميقة من تحول تونس إلى تابع في هذه اللعبة الإقليمية. يرى الكثيرون أن التقارب المفرط مع طرف واحد في معادلة إقليمية متقلبة يعرض السيادة التونسية للخطر، ويجعل القرار السياسي التونسي عرضة للتأثيرات الخارجية. إن الجزائر، بحكم ثقلها الإقليمي وقدرتها الاقتصادية، تمثل شريكاً استراتيجياً لا يمكن إنكاره لتونس، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد. ولكن، في نظر المعارضة، فإن سعيّد تجاوز الخط الفاصل بين الشراكة والاحتماء، مستخدماً الدعم الجزائري كأداة لتعزيز سلطته الداخلية، حتى لو كان ذلك على حساب استقلال القرار الوطني. هذا الواقع يثير الجدل حول مفهوم الحياد الإيجابي الذي طالما حافظت عليه تونس في علاقاتها الإقليمية، ويطرح سؤالاً حول الثمن الحقيقي الذي تدفعه تونس مقابل الدعم الجزائري.

تُثير هذه الحادثة النقاش حول مفهوم “الشعبية الوهمية” (la popularité factice) في الأنظمة السلطوية الحديثة. في غياب آليات ديمقراطية حقيقية لتقييم الرأي العام، تلجأ الأنظمة إلى خلق مشهد عام يوحي بالدعم الجارف. هذا المشهد لا يعتمد على المشاركة الطوعية والحقيقية للناس، بل على التعبئة المنظمة والمدفوعة، سواء كانت داخلية أو خارجية، كما تزعم المعارضة. تُعد هذه الظاهرة أداة أساسية في ترسانة الأنظمة التي تسعى لترسيخ شرعية قائمة على القوة بدلاً من الإرادة الشعبية الحرة. إن الاعتماد على “الشعبية الوهمية” له عواقب وخيمة على النسيج الاجتماعي والسياسي للبلاد. فهو يُضعف الثقة بين المواطن والدولة، ويُفرغ الاحتفالات الوطنية من محتواها الرمزي العميق، ويُشوه الإرث التاريخي للثورة. عندما يتم تزييف الحشد، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطنين هي أن النظام لا يثق في قدرة الشعب على التعبير الحر عن رأيه، أو أنه ببساطة غير قادر على كسب هذا الرأي. هذه الممارسة تُعد انتهاكاً لمبادئ الثورة التونسية، التي كانت في الأساس ثورة ضد التزييف السياسي والعبث بإرادة الشعب. إن استمرار تونس في هذا المسار يجعلها أقرب إلى النموذج الذي حاولت التحرر منه في عام 2011، حيث يتم استبدال الديكتاتورية المباشرة بنموذج هجين يجمع بين الحكم الفردي والشعبوية الزائفة.

في الختام، فإن اتهام المعارضة التونسية للرئيس قيس سعيّد بالاستقواء بالجزائر لتلميع شعبيته الوهمية، يتجاوز كونه مجرد سجال سياسي عادي ليتحول إلى كشف عميق لأزمة الشرعية التي يعيشها النظام التونسي. إن هذه الأزمة لا تقتصر على فقدان الدعم الشعبي، بل تمتد لتشمل طريقة إدارة الدولة وتوجيه سياستها الخارجية. فإذا كان النظام يعتقد أن استعارة الدعم الخارجي هو الحل الأمثل لتعويض النقص الداخلي، فإنه بذلك يغامر بتقويض جوهر السيادة الوطنية التي كانت الثورة التونسية تسعى لترسيخها. لقد أكد المعارضون أن الاستعانة بفاعلين من خارج البلاد يمثل انتهاكاً للسيادة التونسية وعجزاً واضحاً عن حشد أنصار حقيقيين من الداخل. إن مستقبل تونس يظل معلقاً بين استعادة المسار الديمقراطي والابتعاد عن فخاخ الشعبوية الزائفة، أو الانزلاق نحو نموذج حكم يعتمد على الدعم الخارجي والتعبئة المصطنعة. هذا التحدي يضع على المحك ليس فقط مصير الرئيس سعيّد، بل أيضاً مصير الثورة التونسية نفسها، التي بدأت كصرخة للكرامة والحرية، وتواجه اليوم خطر التحول إلى ذكرى مؤلمة لفرصة ضائعة.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url