فاجعة فاس: عندما تتلاشى المسؤولية بين ركام الزمن والوثائق akhbar-sa3a

فاجعة فاس: عندما تتلاشى المسؤولية بين ركام الزمن والوثائق


شهدت مدينة فاس مؤخرًا فاجعة إنسانية مؤلمة تمثلت في انهيار عمارتين، مخلفةً وراءها دمارًا وأرواحًا أزهقت. وبينما كانت الأعين تنتظر تحديد المسؤوليات وتقديم الإجابات، أتى تصريح صادم من أديب بن إبراهيم، كاتب الدولة المكلف بالإسكان، ليزيد من تعقيد المشهد. فقد أعلن المسؤول بشكل قاطع أن مسؤولية وزارته والوكالة الحضرية "غائبة" عن هذه الكارثة، مستندًا في ذلك إلى أن دورهما انتهى ما بين عامي 2006 و 2007 مع تسليم البقع الأرضية. هذا الإعلان، الذي جاء في جلسة للبرلمان، لم يثير فقط دهشة الشارع المغربي بل فتح بابًا واسعًا لتساؤلات عميقة حول مفهوم المسؤولية في سياق التنمية الحضرية، وحدودها الزمانية والمكانية، وتداعياتها على ثقة المواطن في مؤسساته. فهل يمكن حقًا لخط زمني أن يمحو تمامًا تبعات قرارات ومشاريع تمس حياة الآلاف؟ وهل تسليم الأراضي يمثل بالفعل نقطة النهاية لكل التزام تجاه سلامة المنشآت التي تُبنى عليها؟ هذه الأسئلة ليست مجرد تفاصيل إجرائية، بل هي جوهر أي نظام يسعى لحماية مواطنيه وضمان تنمية مستدامة وآمنة.

إن حجة انتهاء المسؤولية في "خط الزمن"، وإن كانت قد تبدو مقبولة من زاوية إدارية بحتة، إلا أنها لا تستقيم مع المنطق الأخلاقي والاجتماعي. فعملية الإعداد الترابي والتعمير والإسكان ليست سلسلة من الإجراءات المتجمدة في الزمن، بل هي عملية حيوية ومتكاملة تتطلب متابعة مستمرة وتحديثًا للرؤى والرقابة. عندما تقوم وزارة أو وكالة حضرية بتسليم بقع أرضية، فإنها لا تنهي بذلك علاقتها بالمشروع، بل تنتقل إلى مرحلة أخرى من المسؤولية تتضمن التأكد من أن التخطيط الحضري العام الذي تم على أساسه التسليم لا يزال صالحًا، وأن القوانين المنظمة للتعمير والبناء يتم الالتزام بها بصرامة. فمن يُعطي الضوء الأخضر للمشروع في بداياته يتحمل، ولو بشكل غير مباشر، جزءًا من تبعات أي إهمال أو تقصير لاحق إن كان هذا التقصير ناتجًا عن ثغرات في النظام العام الذي أشرف عليه. إن التبرؤ من المسؤولية بمجرد تجاوز تاريخ معين يفتح الباب أمام تسلسل لا نهائي من التنصل، حيث يمكن لأي طرف أن يلقي باللوم على الطرف الذي سبقه، تاركًا المواطن والضحايا في حلقة مفرغة من البحث عن جهة مساءلة حقيقية.

المشكلة هنا لا تقتصر على موقف مسؤول واحد، بل تعكس تحديات أعمق تواجه منظومة التعمير والبناء بأكملها. إذا كانت مسؤولية الجهات الحكومية تنتهي عند تسليم الأراضي، فمن هو الطرف الذي يتولى بعد ذلك ضمان جودة البناء ومتانته وصلاحيته للسكن على المدى الطويل؟ هل هي فقط مسؤولية الملاك الأفراد والمقاولين والمهندسين؟ بالتأكيد، كل طرف في سلسلة البناء يتحمل جزءًا من المسؤولية، لكن الدولة، ممثلة في وزاراتها ووكالاتها، تظل الضامن الأكبر للمصلحة العامة ولسلامة المواطنين. هذا يتطلب وجود آليات رقابة صارمة، وتحديثًا مستمرًا للقوانين والمعايير، وأنظمة تفتيش دورية للمباني، لا سيما تلك التي تقع في مناطق هشة أو تعرف حركية عمرانية سريعة. فالفراغ التشريعي أو التنظيمي، أو حتى ضعف آليات التتبع والمساءلة بعد مرحلة التسليم، هو في حد ذاته تقصير يمكن أن يؤدي إلى كوارث مثل فاجعة فاس. يجب أن تكون هناك استمرارية في الإشراف على المدن ومراقبة تطورها، لا سيما في المغرب الذي يشهد نموًا حضريًا متسارعًا يفرض تحديات كبيرة على البنية التحتية.

إن الأثر الأعمق لمثل هذه التصريحات هو تآكل الثقة العامة. عندما يرى المواطنون مسؤولين حكوميين يتنصلون من المسؤولية عن كوارث تودي بحياة أفرادهم وتدمر ممتلكاتهم، فإنهم يفقدون الثقة في قدرة الدولة على حمايتهم وتحقيق العدالة. فاجعة فاس ليست مجرد حدث مادي، بل هي جرح عميق في نسيج المجتمع، يطرح أسئلة حول قيمة الأرواح والممتلكات في عيون من يُفترض بهم حمايتها. الضحايا وذويهم لا يبحثون عن تبريرات قانونية معقدة، بل عن اعتراف بالتقصير، ومحاسبة للمتسببين، وضمانات بعدم تكرار مثل هذه المآسي. إن إلقاء اللوم على خط زمني أو على "انتهاء" دور جهة معينة، دون تقديم إجابات واضحة حول من يتحمل المسؤولية الفعلية في نهاية المطاف، هو بمثابة التخلي عن واجب أخلاقي أساسي تجاه المواطن. يجب أن تتجاوز النقاشات البرلمانية حدود الدفاع عن النفس الإداري، لتتجه نحو حلول حقيقية تضمن عدم تكرار مثل هذه الكوارث، وتعيد بناء جسور الثقة المتهدمة بين المواطن ومؤسساته.

لتجاوز هذه الأزمة، يجب أن ننظر إلى فاجعة فاس كفرصة لإعادة تقييم شاملة لمنظومة التعمير والإسكان. لا يمكن أن تستمر المسؤولية في "التبخر" بين الإدارات والتواريخ. يتطلب الأمر وضع إطار قانوني وتنظيمي واضح يحدد بوضوح مسؤوليات كل جهة في جميع مراحل دورة حياة المبنى، من التخطيط الأولي وتسليم الأرض إلى البناء والصيانة الدورية وحتى الهدم وإعادة البناء. يجب أن يتضمن هذا الإطار آليات رقابة صارمة، ونظام تفتيش فعال ومستقل، وعقوبات رادعة للمخالفين والمتهاونين، سواء كانوا مقاولين، مهندسين، موظفين إداريين، أو أصحاب مشاريع. الأهم من ذلك، يجب أن نؤسس لثقافة المساءلة الحقيقية، حيث يكون كل طرف، من أصغر عامل إلى أعلى مسؤول، مدركًا لدوره وتبعات إهماله. إن حماية الأرواح والممتلكات هي الأولوية القصوى، ويجب أن تتضافر جهود جميع الفاعلين لضمان أن تبقى مدننا آمنة وأن لا تكون فاجعة فاس مجرد فصل آخر في كتاب الكوارث التي تتلاشى فيها المسؤوليات، بل نقطة تحول نحو مستقبل حضري أكثر أمانًا ومسؤولية.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url