ما وراء الأرقام: تحليل معركة نيجيريا المستمرة ضد «داعش في غرب أفريقيا»akhbar-sa3a

ما وراء الأرقام: تحليل معركة نيجيريا المستمرة ضد «داعش في غرب أفريقيا»


في خضم فوضى الصراع المستمر في غرب أفريقيا، تبرز الأخبار العسكرية كعلامات نادرة على التقدم، وإن كانت غالبًا ما تكون مؤقتة. الخبر الأخير القادم من نيجيريا، وتحديداً من ولاية بورنو المضطربة، يحمل في طياته الكثير من التفسيرات. إعلان الجيش النيجيري عن القضاء على 21 عنصراً من تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» (ISWAP) هو بلا شك انتصار تكتيكي مهم. لكن في سياق حرب عصابات استمرت لأكثر من عقد، فإن هذا الإنجاز يثير أسئلة أكثر من كونه يقدم إجابات حاسمة. لا يمكن قراءة هذا الخبر بمعزل عن سياقه الأوسع؛ إنه ليس مجرد خبر عن عملية عسكرية، بل هو مؤشر على طبيعة المعركة المتقلبة في حوض بحيرة تشاد. فبينما يمثل القضاء على هذا العدد من المقاتلين ضربة موجعة للتنظيم في وقت معين، فإن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة الجيش النيجيري على تحويل هذه الانتصارات التكتيكية إلى مكاسب استراتيجية دائمة. إن «داعش في غرب أفريقيا» ليس مجرد مجموعة من المسلحين، بل هو شبكة معقدة تستغل الفراغات الأمنية والحاجات المجتمعية لتجنيد الأفراد وإدامة وجودها.

لفهم أهمية هذه العملية، يجب علينا أن نعود إلى الجذور المعقدة للصراع في شمال شرق نيجيريا. إن الصراع بين الحكومة النيجيرية والجماعات المتطرفة بدأ في الأساس مع حركة بوكو حرام، التي شهدت انشقاقاً كبيراً في عام 2016 أدى إلى ظهور «داعش في غرب أفريقيا» (ISWAP). وعلى عكس بوكو حرام التي اشتهرت بأساليبها العشوائية وتركيزها على استهداف المدنيين، تبنى «داعش في غرب أفريقيا» مقاربة أكثر تطوراً. لقد سعى التنظيم لبناء هيكل شبه حكومي، يقدم الخدمات الأساسية في المناطق التي يسيطر عليها، ويفرض الضرائب، ويستهدف القواعد العسكرية والمصالح الاقتصادية لتقويض سلطة الدولة. هذا التطور الاستراتيجي جعل من «داعش في غرب أفريقيا» تحدياً أمنياً أكثر تعقيداً بكثير من سلفه. وولاية بورنو، التي تقع في أقصى شمال شرق البلاد وتعتبر مركزاً لهذا الصراع، هي المنطقة الأكثر تضرراً. إن العملية الأخيرة في بورنو، تحديداً، تبرز الجهود المستمرة للجيش النيجيري لاستعادة السيطرة على المناطق التي أصبحت ملاذاً آمناً لهذه المجموعات. هذه المعركة هي جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تفكيك الشبكة اللوجستية والقيادية لـ «داعش في غرب أفريقيا»، وهو ما يمثل تحدياً هائلاً بالنظر إلى طبيعة المنطقة الجغرافية الشاسعة والموارد المحدودة.

إن إعلان الجيش عن القضاء على 21 مقاتلاً، رغم كونه خبراً إيجابياً، لا يجب أن يُقرأ كإشارة إلى قرب نهاية الصراع. في حروب العصابات، غالباً ما تكون الأرقام خادعة. ففي حين أن تصفية 21 عنصراً يمثل نجاحاً ميدانياً، فإن قدرة الجماعات المتطرفة على إعادة التجنيد والانتشار السريع تظل التحدي الأكبر. إن «داعش في غرب أفريقيا» يستغل الفقر المدقع، وغياب الخدمات الحكومية، والتهميش الاقتصادي في شمال نيجيريا لتجنيد أعداد جديدة من المقاتلين. هذا يعني أن كل انتصار عسكري، مهما كان كبيراً، لن يؤدي إلى هزيمة استراتيجية شاملة ما لم يتم معالجة الأسباب الجذرية للصراع. الاستراتيجية العسكرية وحدها، دون دمجها مع جهود التنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار والحكم الرشيد، أشبه بلعبة الكر والفر (whack-a-mole)، حيث يظهر المقاتلون في مكان بمجرد اختفائهم من مكان آخر. يجب أن ننظر إلى هذا الخبر كدليل على أن الجيش النيجيري يواصل الضغط، ولكنه أيضاً تذكير بأن الصراع ليس وشيك النهاية، بل هو معركة طويلة الأمد تتطلب جهداً متعدداً الأبعاد.

يتمحور الصراع في نيجيريا حول محورين أساسيين: المحور العسكري ومحور الأزمة الإنسانية. وبينما تُركز التقارير العسكرية على الإنجازات الميدانية، فإن الواقع اليومي لملايين السكان في ولاية بورنو يظل قاسياً. لقد أدت عقود من الصراع إلى تهجير ما يزيد عن مليوني شخص، يعيشون في ظروف صعبة للغاية داخل مخيمات النازحين. هؤلاء السكان هم الضحايا الحقيقيون لهذا الصراع، حيث يواجهون تحديات الأمن الغذائي والرعاية الصحية المتردية. إن «داعش في غرب أفريقيا» يستغل هذه الظروف لفرض نفوذه وتقديم المساعدات التي تغيب عنها الحكومة، مما يزيد من تعقيد الوضع. لا يقتصر تأثير الصراع على نيجيريا فحسب، بل يمتد إلى دول الجوار مثل النيجر وتشاد والكاميرون، مما يخلق أزمة إنسانية وأمنية إقليمية. إن أي عملية عسكرية ناجحة يجب أن تترافق مع خطة شاملة لإعادة توطين النازحين، وتوفير الدعم الاقتصادي للمجتمعات المحلية، واستعادة الثقة بين المواطنين والحكومة. بدون هذه المكونات، ستظل الانتصارات العسكرية مجرد تدافعات مؤقتة في وجه مد الصراع.

في الختام، فإن الإعلان عن القضاء على 21 عنصراً من «داعش في غرب أفريقيا» في بورنو هو بصيص أمل وسط ظلام دامس. إنه يذكرنا بالتضحيات التي يقدمها الجنود النيجيريون في سبيل تحقيق الأمن. ومع ذلك، يجب أن نبتعد عن النظر إلى هذا الحدث كحل نهائي للصراع. إن مكافحة الإرهاب في نيجيريا تتطلب ما هو أكثر من العمليات العسكرية المباشرة؛ إنها تتطلب مقاربة شاملة تعالج القضايا العميقة المتمثلة في سوء الحكم، والتهميش الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية. لا يمكن تحقيق الاستقرار المستدام إلا من خلال بناء مجتمعات مرنة قادرة على مقاومة نفوذ الجماعات المتطرفة. يجب على نيجيريا والمجتمع الدولي أن يركزا على استراتيجيات التنمية، ودعم التعليم، وتعزيز الشراكات الإقليمية لمكافحة الإرهاب. إن المعركة ضد «داعش في غرب أفريقيا» هي معركة وجودية تتطلب صبراً وموارد والتزاماً لا يتزعزع، حيث أن الانتصارات التكتيكية هي خطوات على طريق طويل جداً نحو السلام المستدام في غرب أفريقيا.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url