رحلة أنقرة-طرابلس الأخيرة: هل يغير حادث تحطم طائرة موازين القوى في ليبيا؟

رحلة أنقرة-طرابلس الأخيرة: هل يغير حادث تحطم طائرة موازين القوى في ليبيا؟


في صدمة مدوية تضرب المشهد السياسي والأمني الهش في ليبيا، تأكد خبر وفاة الفريق محمد علي أحمد الحداد، رئيس أركان الجيش الليبي، في حادث تحطم طائرة مأساوي. لم يكن الحداد شخصية عسكرية عادية؛ بل كان أحد الأركان الأساسية التي يقوم عليها هيكل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة. إن رحلة العودة من أنقرة إلى طرابلس، التي كانت ترمز إلى محور العلاقة الاستراتيجي بين الحكومتين، انتهت بكارثة جوية فوق الأراضي التركية، لتترك وراءها فراغاً قيادياً كبيراً وتطرح علامات استفهام لا يمكن تجاهلها حول مستقبل الاستقرار في البلد المنقسم. هذا الحادث لا يمكن اعتباره مجرد قضاء وقدر، بل هو زلزال يضرب قلب المؤسسة العسكرية الليبية في لحظة حرجة للغاية، حيث تتصارع الأطراف المحلية والإقليمية على رسم خارطة طريق جديدة، أو إبقاء الوضع الراهن على حافة الهاوية.

إن وفاة الحداد تفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات متعددة، تبدأ بفراغ قيادي يصعب ملؤه في هذه المرحلة. كان الحداد يمثل نقطة توازن داخل حكومة الدبيبة، ويشغل منصباً حيوياً في إدارة العلاقات المعقدة بين الفصائل المسلحة المختلفة التي تدعم الحكومة في طرابلس. فقدان شخصية بهذا الثقل، خاصة مع الأنباء التي تشير إلى مقتل رئيس أركان القوات البرية أيضاً في الحادث، يضعف بشكل كبير من قبضة الدبيبة على المؤسسة العسكرية. في بلد لا تزال فيه خطوط الفصل بين الحكومات الموازية واضحة، حيث يسيطر خليفة حفتر على مناطق واسعة في الشرق، فإن أي إضعاف للقيادة العسكرية في الغرب يمكن أن يفتح شهية الخصوم لإعادة ترتيب الأوراق، أو ربما حتى التفكير في تصعيد عسكري جديد. السؤال ليس فقط عن من سيحل محله، بل عن كيفية ضمان بقاء التماسك العسكري في طرابلس دون قيادة موحدة قوية.

الجغرافيا السياسية للحادث تحمل دلالات عميقة لا يمكن إغفالها. فأنقرة، نقطة الانطلاق الأخيرة للرحلة المشؤومة، ليست مجرد عاصمة عابرة. إنها مركز الثقل الإقليمي لحكومة الوحدة الوطنية. لقد كانت تركيا، منذ التدخل العسكري في عام 2019، الداعم الأكبر سياسياً وعسكرياً لحكومة طرابلس ضد قوات حفتر. زيارة الحداد والوفد المرافق له إلى أنقرة كانت بلا شك لتعزيز التعاون العسكري، وربما لتنسيق جهود بناء الجيش الوطني الليبي، أو ربما لمناقشة التطورات الأخيرة في المنطقة. وقوع الحادث في هذا السياق، وعلى هذا المسار تحديداً، يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة المستقبلية. هل سيؤدي هذا الحادث إلى إرباك خطوط الإمداد العسكري والدعم الاستراتيجي التركي؟ وهل سيؤثر على ثقة القيادات الليبية في هذا التحالف، خاصة إذا ما دخلت التحقيقات في مسارات معقدة تشمل شبهات حول طبيعة الحادث؟

من وجهة نظري، فإن هذا الحادث، بالرغم من كل التقارير الرسمية التي ستتحدث عن عطل فني أو سوء الأحوال الجوية، لا يمكن فصله عن المناخ السياسي المشحون في ليبيا. في مثل هذه البيئات، لا يوجد شيء اسمه 'حادث بريء' عندما يتعلق الأمر بشخصيات بهذه الأهمية. إن التاريخ السياسي الليبي، وكذلك تاريخ الصراعات الإقليمية، مليء بـ 'الحوادث الغامضة' التي أزالت عقبات سياسية أو قادة عسكريين مؤثرين. سواء كان الحادث فعلاً قضاءً وقدراً أم عملاً مدبراً، فإن النتيجة واحدة: إرباك الساحة العسكرية لطرابلس. هذا ما يمنح الخصوم ميزة فورية. لا بد أن تكون هناك تحقيقات دولية شفافة لتبديد الشكوك، ولكن حتى مع إعلان النتائج، ستظل الشكوك قائمة في أذهان الكثيرين، لأن المشهد الليبي لا يترك مساحة للصدفة في قضايا بهذه الأهمية.

في الختام، فإن رحيل الفريق الحداد يشكل ضربة قاصمة لآمال الليبيين في بناء مؤسسة عسكرية موحدة وقوية. إنه يفتح فصلاً جديداً من عدم اليقين في بلد يحتاج بشدة إلى الثبات والقيادة الرشيدة. ستكون الأيام القادمة حاسمة لتحديد كيفية تعامل حكومة الدبيبة مع هذا الفراغ القيادي، وما إذا كان هذا الحادث سيشجع القوى المتنافسة على تغيير استراتيجياتها. إن ليبيا، التي تحاول الخروج من أتون الصراع، تجد نفسها فجأة أمام تحدٍ جديد، يضاف إلى قائمة طويلة من التحديات، مما يعيد التأكيد على أن طريق السلام والاستقرار في هذا البلد الشاسع محفوف بالمخاطر، وأن أي خطأ صغير، أو كارثة غير متوقعة، يمكن أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء بسرعة.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url