ما وراء التمديد: تونس وحالة الطوارئ التي لا تنتهي
في خضم التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجهها تونس، جاء إعلان السلطات عن تمديد حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يوماً إضافية، ليعيد إلى الواجهة ملفاً شائكاً طال أمده. هذا القرار، الذي صدر بمرسوم رئاسي، ليس مجرد إجراء روتيني أو تقني، بل هو بمثابة مؤشر عميق على استمرار حالة عدم اليقين التي تخيم على المشهد التونسي منذ سنوات. ففي الوقت الذي يسعى فيه أي نظام مستقر إلى ترسيخ الحوكمة المدنية العادية، تبدو تونس عالقة في حلقة مفرغة من التدابير الاستثنائية التي أصبحت هي القاعدة بدلاً من الاستثناء. إن تمديد حالة الطوارئ يثير تساؤلات جدية حول طبيعة الأخطار التي تواجهها الدولة، وهل هي فعلاً أخطار أمنية طارئة أم أنها تعكس أزمة بنيوية في الإدارة السياسية والاقتصادية للبلاد. إن تحليل هذا القرار يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من مجرد الإجراء الإداري، لنتعمق في تأثيره على الحريات العامة، المشهد السياسي، والتحديات الاقتصادية التي تشكل البيئة الحاضنة لهذه القرارات.
إن حالة الطوارئ، بحسب تعريفها القانوني، هي وضع استثنائي يُعلن لمواجهة تهديدات وشيكة أو كوارث طبيعية، وهي تمنح السلطات التنفيذية صلاحيات واسعة تفوق الصلاحيات العادية. في تونس، يتيح هذا الوضع للحكومة اتخاذ إجراءات استثنائية لضمان الأمن العام، بما في ذلك فرض حظر التجول، تقييد حرية التنقل، وحظر التجمعات والاجتماعات العامة. وعندما تتكرر هذه التمديدات بشكل شهري تقريباً لسنوات، فإننا ننتقل من مرحلة “الاستثناء المؤقت” إلى مرحلة “الحالة الدائمة”. هذا التحول له تداعيات خطيرة على النسيج الديمقراطي والمجتمع المدني. ففي بلد شهد ثورة قامت على الحرية والتعبير، يصبح استمرار تقييد هذه الحريات أمراً مقلقاً. إن تبرير التمديد بمواجهة «المخاطر الداهمة» و«الحفاظ على النظام العام» هو تبرير عام وغامض، يفتقر إلى الشفافية والتوضيح حول طبيعة هذه المخاطر. هذا الغموض يفتح الباب أمام التفسيرات والتكهنات، ويزيد من المخاوف حول استخدام هذه الصلاحيات لأغراض أخرى غير الأمنية الصرفة.
من وجهة نظري التحليلية، لا يمكن فصل هذا التمديد عن السياق السياسي الراهن في تونس، خاصة في ظل التحول الذي قاده الرئيس قيس سعيد منذ عام 2021. لقد كان إعلان حالة الطوارئ في البداية مبرراً إلى حد كبير بالتهديدات الإرهابية المستمرة التي واجهت البلاد بعد 2015. ومع ذلك، فإن تجذر هذا الإجراء في السنوات الأخيرة تزامن مع تعميق الأزمة السياسية الداخلية. يرى النقاد أن تمديد حالة الطوارئ يمنح السلطة التنفيذية هامشاً كبيراً من المناورة للتعامل مع أي احتجاجات أو معارضة محتملة. ففي ظل الارتفاع المتزايد في الأسعار وتدهور الأوضاع المعيشية، يصبح الغضب الشعبي أمراً وارداً في أي وقت. إن السلطة، في هذه الحالة، تستخدم حالة الطوارئ كدرع واقٍ لمنع أي تظاهرات واسعة النطاق قد تهدد استقرار النظام. هذا الاستخدام السياسي للأداة الأمنية هو نقطة خلاف رئيسية، حيث يجادل البعض بأن الأمن القومي لا يمكن أن يكون مجرد غطاء لقمع حرية التعبير والتجمع السلمي.
إن الرابط بين حالة الطوارئ والأزمة الاقتصادية هو رابط عضوي ومتبادل. فمن ناحية، تؤدي الأوضاع الاقتصادية المتدهورة إلى تزايد الاستياء الاجتماعي، مما يخلق بيئة خصبة للاحتجاجات التي تبرر بدورها تمديد حالة الطوارئ. ومن ناحية أخرى، فإن استمرار حالة الطوارئ يرسل إشارات سلبية للمستثمرين الدوليين. إن الاقتصاد يعتمد بشكل كبير على الثقة والاستقرار. عندما تكون الدولة في حالة طوارئ دائمة، يُنظر إليها على أنها بيئة غير آمنة للاستثمار الأجنبي المباشر، مما يعيق جهود التعافي الاقتصادي. إن تونس بحاجة ماسة إلى إصلاحات اقتصادية عميقة، بدءاً من التفاوض حول برنامج صندوق النقد الدولي، مروراً بمكافحة التضخم، وانتهاءً بخلق فرص العمل. ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك عندما تكون الأجواء محتقنة سياسياً ومقيدة أمنياً؟ إنه وضع معقد يخلق حلقة مفرغة من عدم الاستقرار، حيث تفشل الإجراءات الأمنية في معالجة الأسباب الجذرية للأزمة الاقتصادية، بينما تزيد الأزمة الاقتصادية من الحاجة إلى الإجراءات الأمنية.
في الختام، فإن تمديد حالة الطوارئ في تونس هو بمثابة جرس إنذار يعكس عدم قدرة الدولة على الخروج من نفق الأزمات المتراكمة. إنها ليست مجرد مسألة أمنية بحتة، بل هي خليط معقد من التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتطلب حلولاً جذرية. لا يمكن لدولة أن تبني مستقبلاً مستقراً وديمقراطياً وهي تعيش في حالة استثناء دائم. إن الوقت قد حان لكي تبحث تونس عن حلول تتجاوز مجرد الإجراءات القمعية، وتتجه نحو تعزيز الحوار الوطني الحقيقي والإصلاحات الاقتصادية الشاملة. إن الحلول الأمنية وحدها لا يمكن أن تحقق التنمية المستدامة أو تعيد الثقة بين المواطن والدولة. يجب أن يكون الهدف هو استعادة الحوكمة الطبيعية، حيث تحل القوانين المدنية محل المراسيم الاستثنائية، وحيث يتمكن الشعب من التعبير عن رأيه بحرية، دون خوف من أن يكون التجمع السلمي سبباً في تمديد حالة الطوارئ مجدداً. تونس بحاجة إلى الشفاء من هذا الوضع الاستثنائي الذي أثقل كاهلها لسنوات، وهذا يتطلب قيادة قادرة على إحداث نقلة نوعية بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمة.