نداء السلاح في عاصفة الساحل: تحليل تعبئة النيجر لمواجهة الإرهاب
في خطوة تعكس حجم التحدي الأمني غير المسبوق الذي يواجه منطقة الساحل، أعلنت السلطات الانتقالية في النيجر عن ما أسمته «التعبئة العامة». هذا القرار ليس مجرد إجراء روتيني لمكافحة الإرهاب، بل هو إقرار صريح بأن الدولة تواجه تهديدًا وجوديًا يتطلب تحويل المعركة من صراع عسكري محدود إلى مواجهة شاملة تشمل جميع فئات المجتمع. تأتي هذه الخطوة في ظل تصاعد العنف من قبل الجماعات المتطرفة المرتبطة بتنظيمات إقليمية مثل تنظيم القاعدة وداعش، والتي استغلت حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني لتعزيز سيطرتها على مناطق شاسعة، وشن هجمات دموية أودت بحياة المئات من المدنيين والعسكريين. إن إعلان التعبئة العامة يضع البلاد على مفترق طرق خطير، فإما أن يؤدي إلى توحيد الجبهة الداخلية لمواجهة العدو المشترك، أو أن يزيد من حالة الفوضى العارمة، خاصة في المناطق الحدودية الهشة. إنها استراتيجية محفوفة بالمخاطر، تعكس اليأس من الحلول التقليدية، وتجعلنا نتساءل عن الكلفة البشرية والسياسية لهذه المغامرة.
يتشابك قرار التعبئة العامة بشكل وثيق مع التحولات السياسية الأخيرة التي شهدتها النيجر. بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالحكومة المنتخبة، وجدت السلطات الجديدة نفسها في موقف حرج: تبرير الإطاحة بالسلطة المدنية أمام الشعب والمجتمع الدولي. أحد السرديات الرئيسية التي اعتمدت عليها الأنظمة العسكرية في منطقة الساحل، ومن بينها مالي وبوركينا فاسو، هو اتهام الحكومات السابقة بالتقاعس عن حماية البلاد من الإرهاب. في هذا السياق، يعتبر إعلان التعبئة العامة أداة قوية لبناء شرعية شعبية جديدة. إنه يرسل رسالة واضحة للمواطنين مفادها أن القيادة الجديدة تأخذ التهديد الإرهابي على محمل الجد، وتضع أمن البلاد على رأس أولوياتها. ومع ذلك، فإن هذه الخطوة تثير تساؤلات حول مدى قدرة النظام الجديد على إدارة مثل هذه التعبئة. فهل ستكون التعبئة شاملة، أم أنها ستقتصر على بعض المناطق؟ وهل ستشمل تدريب وتسليح المدنيين، مما قد يؤدي إلى تفاقم الصراعات العرقية والقبلية في المناطق المضطربة؟ في غياب بنية تحتية قوية للجيش وإمكانات لوجستية كافية، فإن تحويل الصراع إلى صراع شعبي يمكن أن يكون له عواقب وخيمة على الاستقرار الداخلي.
إن التحدي الذي تواجهه النيجر ليس مجرد وجود جماعات إرهابية، بل هو طبيعة هذه الجماعات وقدرتها على التكيف. فالتنظيمات المرتبطة بالقاعدة (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين - JNIM) وبتنظيم الدولة الإسلامية (داعش في الصحراء الكبرى - ISGS) ليست مجرد مجموعات مسلحة تقليدية؛ بل هي شبكات اجتماعية واقتصادية وسياسية تستغل ضعف الدولة وغياب الخدمات العامة. هذه الجماعات تتبع تكتيكات حرب العصابات، وتعتمد على معرفة تامة بالبيئة المحلية، وتجنيد الشباب المحبطين من الفقر والتهميش. إن مواجهة هذه الشبكات تتطلب استراتيجية شاملة لا تقتصر على القوة العسكرية. فكيف يمكن لـ«تعبئة عامة» أن تنجح حيث فشلت عمليات مكافحة الإرهاب المدعومة دوليًا؟ قد يؤدي تسليح المدنيين أو إنشاء ميليشيات شعبية إلى نتائج عكسية، حيث قد تتحول هذه الميليشيات إلى جهات فاعلة غير نظامية تساهم في المزيد من انتهاكات حقوق الإنسان وتفاقم الانقسامات المجتمعية. بدلاً من توحيد البلاد، قد تؤدي التعبئة إلى انقسامات أعمق بين من يرى فيها واجبًا وطنيًا ومن يراها عبئًا أو خطرًا على حياتهم اليومية، خاصة في المناطق التي تعاني بالفعل من توترات عرقية قديمة.
لا يمكن فصل قرار التعبئة العامة في النيجر عن المشهد الجيوسياسي المتغير في منطقة الساحل. فبعد انسحاب القوات الفرنسية من النيجر، وخروجها من مالي وبوركينا فاسو، تتجه دول المنطقة نحو استراتيجيات أمنية جديدة تعتمد بشكل كبير على القوى المحلية والتحالفات الإقليمية (مثل تحالف دول الساحل الثلاثي). قرار التعبئة يرسل إشارة واضحة بأن النيجر، مثل جيرانها، تتبنى نهجًا قوميًا متشددًا في مواجهة التهديدات. هذا التحول يعني الابتعاد عن النموذج الأمني الغربي الذي كان يعتمد على التدخل الأجنبي، والتوجه نحو نموذج يعتمد على الموارد الذاتية، ولكنه قد يفتح الباب أمام شراكات جديدة مثيرة للجدل. في الوقت الذي تسعى فيه النيجر لتعزيز قدراتها الذاتية، لا يمكن إغفال التداعيات الإقليمية لهذا القرار. فالتعبئة العامة قد تثير مخاوف الدول المجاورة، خاصة نيجيريا وبنين، اللتين تشتركان في حدود واسعة مع مناطق نشاط الجماعات المتطرفة. فهل ستنجح النيجر في احتواء هذه المجموعات، أم أن التعبئة ستدفعها نحو مناطق حدودية أخرى، مما يزيد من احتمالية امتداد الصراع إلى دول الجوار؟
في الختام، فإن إعلان التعبئة العامة في النيجر هو اعتراف خطير بأن الحلول الأمنية التقليدية قد فشلت، وأن الدولة في حالة حرب شاملة ضد أعداء يسعون لتفكيك نسيجها الاجتماعي. ولكن التعبئة العامة، في سياق دولة تعاني من الفقر المدقع وغياب البنية التحتية، هي خطوة لا تخلو من المخاطر. فبينما يمكن أن تساهم في رفع الروح المعنوية وتعبئة الموارد البشرية، فإنها قد تؤدي أيضًا إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وتصاعد انتهاكات حقوق الإنسان إذا لم يتم تنظيمها والتحكم فيها بعناية فائقة. يجب على القيادة الجديدة أن تدرك أن التعبئة العامة ليست حلاً سحريًا؛ فهي مجرد أداة. لا يمكن تحقيق النصر على الإرهاب دون معالجة الأسباب الجذرية للصراع، والتي تشمل سوء الحوكمة، والتهميش الاقتصادي، وغياب العدالة الاجتماعية. إن مصير النيجر، ومستقبل منطقة الساحل بأكملها، يعتمد على ما إذا كانت هذه التعبئة ستتحول إلى استراتيجية بناءة للوحدة الوطنية، أم ستتحول إلى وصفة لمزيد من الفوضى والدمار.