لعبة القط والفأر في الساحل: هجمات داعش ترد على القصف الأميركي وتكشف ضعف الاستراتيجيةCat-and-Mouse-Coastal-Game-ISIS-Attacks-Respond-to-US-Bombing-Exposing-Strategic-Weakness

Cat-and-Mouse-Coastal-Game-ISIS-Attacks-Respond-to-US-Bombing-Exposing-Strategic-Weakness


في العادة، عندما تشن قوة عظمى عملية عسكرية، مثل القصف الجوي، ضد جماعة مسلحة، يكون الهدف المعلن هو إضعاف قدرات هذه الجماعة وتخفيف الضغط على القوات المحلية. ولكن في قلب نيجيريا، وتحديداً في ولاية يوبي، يبدو أن قواعد اللعبة قد انقلبت رأساً على عقب. فبعد أيام قليلة من قيام الولايات المتحدة بشن ضربات جوية تستهدف مواقع مزعومة لتنظيم داعش، شهدت المنطقة موجة منسقة من الهجمات التي نفذها مسلحون تابعون للتنظيم. هذه الهجمات لم تكن مجرد رد فعل عشوائي، بل كانت رسالة واضحة وقوية موجهة إلى الداخل والخارج: إن القوة الجوية لا تكفي لكسر إرادتنا، وقدرتنا على شن الهجمات لا تزال قائمة، بل وقد تكون تعززت. السؤال الذي يطرح نفسه بحدة الآن هو: هل تؤدي هذه التدخلات الخارجية، على الرغم من نواياها المعلنة، إلى نتائج عكسية؟ وهل نحن عالقون في حلقة مفرغة من العنف، حيث يؤدي كل تصعيد عسكري إلى تصعيد مقابل، دون الاقتراب من حل جذري؟

ما حدث في يوبي ليس مجرد حادثة أمنية معزولة، بل هو مؤشر خطير على طبيعة التحديات التي تواجهها القوات النيجيرية والتحالفات الدولية الداعمة لها. إن تنظيم داعش في غرب إفريقيا (ISWAP) يمتلك قدرة هائلة على التكيف والانتشار، مستفيداً من هشاشة البنية التحتية الحكومية وغياب الخدمات الأساسية في المناطق النائية. عندما تُطلق الضربات الجوية، فإنها قد تنجح في تدمير معسكرات تدريب أو مخابئ قيادية، ولكنها نادراً ما تستطيع القضاء على الشبكات الاجتماعية والمالية التي يعتمد عليها التنظيم. هذه الشبكات تتجذر في المجتمعات المحلية، وتستغل المظالم التاريخية، وتوفر بديلاً (وإن كان وحشياً) للسلطة المركزية الغائبة. الهجمات المنسقة الأخيرة تثبت أن التنظيم لا يزال يحتفظ بقدرته العملياتية على التخطيط والتنفيذ، وأن الضربات الجوية الأمريكية لم تشل حركته، بل ربما حركت لديه دافع الانتقام أو إثبات الذات. هذا يعيدنا إلى نقاش قديم حول حدود القوة العسكرية الجوية في مكافحة التمرد الذي يعتمد على الدعم المحلي.

أحد الجوانب الأكثر إثارة للقلق في هذه الهجمات هو استهداف الزعماء المحليين، كما حدث عندما أصيب أحد زعماء القرى في الهجمات. هذا التكتيك له دلالات عميقة تتجاوز مجرد العنف. عندما يستهدف المسلحون رموز السلطة المحلية، فإنهم لا يحاولون فقط إضعاف القوات الحكومية، بل يسعون إلى تدمير النسيج الاجتماعي للمجتمعات. الزعماء المحليون هم حجر الزاوية في استقرار القرى؛ فهم الوسطاء بين السكان والدولة، وهم من يحافظ على النظام الاجتماعي في غياب المؤسسات الرسمية. استهدافهم يهدف إلى بث الرعب في قلوب السكان، وإجبارهم على الخضوع، أو النزوح الجماعي، مما يخلق فراغاً أمنياً وإدارياً يمكن للتنظيم استغلاله بسهولة. هذه الاستراتيجية تخلق منطقة عازلة من الفوضى، تمكن التنظيم من ممارسة سيطرته على الأرض وتجنيد المزيد من الأفراد المستضعفين، مما يجعل القضاء على التمرد أكثر صعوبة وتعقيداً.

الاستراتيجية الغربية لمكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي تواجه تحديات وجودية. فبعد سنوات من الدعم العسكري والمالي، وتكثيف عمليات الاستخبارات والمراقبة، لا تزال هذه المنطقة تشهد تدهوراً مستمراً في الأوضاع الأمنية. هذا الفشل الجزئي يعود، في جزء كبير منه، إلى التركيز المفرط على الحلول العسكرية البحتة على حساب التنمية الاقتصادية والاجتماعية. بينما يتم إنفاق الملايين على الطائرات المسيرة والتدريب العسكري، تظل المجتمعات المحلية تعاني من الفقر المدقع، وغياب التعليم، وشح المياه، وتغير المناخ الذي يزيد من حدة الصراع على الموارد. إن جذور التمرد ليست عسكرية فقط، بل هي متجذرة في المظالم الاقتصادية والاجتماعية. الضربات الجوية، حتى لو كانت دقيقة، لا تعالج هذه الجذور. بل قد تساهم في تغذيتها عندما تؤدي إلى سقوط ضحايا أبرياء (حتى عن طريق الخطأ)، مما يعزز الرواية المتطرفة القائلة بأن الغرب والدول المحلية التابعة له هم أعداء للشعب.

في الختام، فإن هجمات يوبي الأخيرة بعد الضربات الأمريكية تسلط الضوء على ضرورة إعادة تقييم شاملة للاستراتيجية المتبعة في مكافحة الإرهاب في غرب إفريقيا. لم يعد كافياً التعامل مع هذه الجماعات كظاهرة عسكرية بحتة يمكن القضاء عليها بالقوة الجوية. يجب أن يتحول التركيز من إضعاف القدرات العسكرية للتنظيم إلى بناء قدرات المجتمعات المحلية على الصمود. هذا يتطلب استثماراً حقيقياً في الحكم الرشيد، وتوفير الخدمات الأساسية، وتعزيز ثقة المواطنين في دولتهم. إن تكرار دورة الضربات الجوية تليها هجمات انتقامية لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع وزيادة معاناة السكان المدنيين. إن استمرار هذا النمط يهدد بتحويل الساحل الأفريقي إلى بؤرة دائمة لعدم الاستقرار، مع عواقب وخيمة على الأمن الإقليمي والدولي. الطريق الوحيد لكسر هذه الدورة هو من خلال استراتيجية شاملة تجمع بين الأمن والتنمية، وتدرك أن المعركة الحقيقية تُخاض في عقول وقلوب السكان المحليين، وليس فقط في سماء المنطقة.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url