صخب الشائعات وهدوء القرار: فتحي جمال يدحض التدخل ويجدد الثقة بالركراكي
في عالم كرة القدم الذي لا يتوقف عن الغليان، حيث تتشابك الإنجازات مع التحديات، وتتراقص الشائعات على وقع كل خطوة يخطوها المنتخب الوطني، تبرز لحظات من الوضوح كشعاع أمل. فبعد الانتصار المقنع والمريح لأسود الأطلس على منتخب زامبيا بثلاثية نظيفة، والذي جاء ليؤكد علو كعب الكرة المغربية في طريقها نحو استضافة كأس أمم إفريقيا 2025، كان الجو العام يحتضن مزيجًا من الفرح والتفاؤل. لكن، وكما جرت العادة، لم يخلُ المشهد من همسات جانبية وقصص تتناقلها الألسن، لعل أبرزها ما تعلق بتدخل مزعوم من قبل الإدارة التقنية الوطنية في عمل الناخب الوطني. وهنا، جاء البيان الحاسم من السيد فتحي جمال، المدير التقني الوطني للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، لينسف تلك الأقاويل من أساسها، مؤكدًا على الثقة المطلقة في الطاقم التقني بقيادة وليد الركراكي.
ليس من الغريب أن تتناسل مثل هذه الأخبار في بيئة مشحونة بالضغط والترقب مثل كرة القدم الاحترافية، خصوصًا بعد الأداء المتذبذب الذي شهده المنتخب في فترات سابقة. فالجماهير، بشغفها الذي لا حدود له، والإعلام، ببحثه المستمر عن السبق والتحليل، غالبًا ما يجدان في الكواليس المزعومة مادة دسمة للتداول. إن سيناريوهات التدخل الفني أو الإداري في صلاحيات المدرب هي قصص متكررة في عالم الساحرة المستديرة، وغالبًا ما تنشأ من سوء فهم طبيعة الأدوار أو من مجرد التكهنات. غير أن خطورة هذه الشائعات تكمن في قدرتها على زعزعة الاستقرار وتشتيت التركيز، خاصة وأن المنتخب كان على أعتاب مواجهة حاسمة. إن الحاجة إلى بيئة عمل صافية ومنسجمة تعتبر حجر الزاوية لأي فريق يسعى لتحقيق الأهداف الكبرى، وأي حديث عن تدخلات خارجية يهدد هذا الانسجام من العمق.
تكمن أهمية نفي فتحي جمال في توضيح الحدود الفاصلة بين الأدوار والمسؤوليات داخل المنظومة الكروية. فالمناصب الإدارية والتقنية العليا، مثل المدير التقني الوطني، تُعنى بوضع الاستراتيجيات العامة وتطوير المواهب وتأطير السياسات الفنية على المدى الطويل. بينما تقع على عاتق الناخب الوطني مسؤولية قيادة الفريق في المباريات، واختيار اللاعبين، وتطبيق الخطط التكتيكية، وإدارة الجانب النفسي داخل المجموعة. المزج بين هذه الأدوار أو تجاوز الصلاحيات غالبًا ما يؤدي إلى نتائج عكسية، ويخلق حالة من الازدواجية والارتباك. إن حرية المدرب في اتخاذ قراراته الفنية، طالما كانت في إطار الرؤية العامة للجامعة وأهدافها، هي شرط أساسي للنجاح والاستمرارية. هذا الفصل الواضح هو ما يضمن للمدرب وليد الركراكي التركيز الكامل على مهامه، دون الشعور بوطأة التدخلات غير الضرورية التي قد تعيق مساره وتفقده جزءًا من سلطته الفنية والنفسية على اللاعبين.
بيان فتحي جمال لم يكن مجرد نفي جاف لشائعة، بل كان رسالة قوية متعددة الأوجه. إنه تأكيد علني وصريح على الثقة الراسخة في الكفاءة المهنية والقيادية لوليد الركراكي وطاقمه. هذه الثقة، التي تأتي من قمة الهرم التقني في الجامعة، تحمل دلالات عميقة؛ فهي تعزز من معنويات المدرب وتمنحه الدعم اللازم لمواصلة عمله، كما أنها تبعث برسالة طمأنة للجمهور بأن الأمور تسير وفق خطة واضحة ومدروسة. في سياق التحضير لاستضافة حدث بحجم كأس أمم إفريقيا 2025، حيث يتطلع المغرب ليس فقط للتنظيم المذهل بل أيضًا لإنجاز رياضي يليق بالمستوى، فإن الوحدة والانسجام بين كل مكونات الجامعة والمنتخب أمر لا غنى عنه. هذا الموقف يعكس نضجًا في إدارة الأزمات الإعلامية ويعيد التركيز إلى الأهداف الأساسية للكرة المغربية.
من وجهة نظري، فإن هذا الموقف يمثل خطوة إيجابية نحو ترسيخ ثقافة الشفافية والاحترافية داخل دواليب كرة القدم المغربية. فالمنتخب الوطني هو ملك لجميع المغاربة، والنجاح لا يتحقق إلا بتضافر الجهود والابتعاد عن كل ما يشتت الانتباه أو يزرع بذور الشقاق. إن الثقة المتبادلة بين الإدارة والمدرب هي حجر الزاوية في بناء فريق قوي ومنسجم قادر على مواجهة التحديات وتحقيق الطموحات الكبرى. مع اقتراب موعد كأس أمم إفريقيا 2025، يتوجب على الجميع، من مسيرين ولاعبين وجماهير وإعلاميين، أن يتحدوا خلف الهدف الأسمى: رفع راية المغرب عالياً. إن نفي السيد جمال ليس مجرد خبر عابر، بل هو دعوة إلى الوحدة، وتركيز على العمل، وتأكيد على أن مستقبل أسود الأطلس يحدده الأداء فوق الميدان، لا الأقاويل في الكواليس.