رهن العقار الاجتماعي: هل تفرض الدولة قيودًا على الحلم السكني أم تحمي المصلحة العامة؟
لطالما كان امتلاك منزل هو الهدف الأسمى للطبقات المتوسطة والفقيرة، ويمثل الدعم السكني الذي تقدمه الدولة جسرًا أساسيًا لتحقيق هذا الحلم. ففي المغرب، كما في العديد من البلدان، تنظر الحكومات إلى السكن كأداة للعدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي. ومع ذلك، يواجه هذا الدعم تحديًا دائمًا يتمثل في المضاربة العقارية؛ حيث يسعى بعض المستفيدين إلى استغلال المساعدات الحكومية لتحقيق أرباح سريعة بدلاً من ضمان سكن دائم. ولهذا السبب، جاءت التوجيهات الأخيرة الصادرة عن الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية لترسم حدودًا واضحة لهذا العقد الاجتماعي. التعديلات القانونية الجديدة، التي أصدرها المحافظ العام إدريس لزرق، تهدف إلى وضع حد لظاهرة تحويل السكن المدعوم إلى سلعة سريعة الربح، وذلك عبر آلية قانونية دقيقة تفرض قيودًا على عملية التفويت (البيع) قبل تحقيق الغرض الاجتماعي من الدعم. هذه الخطوة تمثل نقطة تحول حاسمة في العلاقة بين الدولة والمستفيد، حيث يتحول الدعم من مجرد منحة إلى التزام متبادل يهدف إلى حماية المال العام وضمان استدامة البرامج الاجتماعية.
الآلية الجديدة التي أقرها المحافظ العام تستند إلى مبدأ قانوني راسخ هو الرهن العقاري (Mortgage lien) لصالح الدولة. ببساطة، يوجّه لزرق المحافظين على الأملاك العقارية بعدم تسجيل أي عقد بيع لسكن تم شراؤه بدعم حكومي ما لم يتم إرفاق العقد بـ 'رفع اليد عن الرهن' (Lift of lien) المترتب على العقار. هذا الإجراء يعني عمليًا أن المستفيد الراغب في بيع العقار عليه أولاً أن يسدد قيمة الدعم الذي حصل عليه للدولة قبل إتمام عملية التفويت. الرهن العقاري، في هذه الحالة، هو الضمانة القانونية التي تملكها الدولة لاسترداد أموالها في حال إخلال المستفيد بالالتزامات المنصوص عليها في قانون المالية، والتي عادة ما تتضمن شرط عدم البيع لفترة زمنية محددة. هذه الإجراءات تهدف إلى وضع عوائق أمام 'القفز' (Flipping) العقاري، حيث يقوم المستفيدون ببيع الوحدات المدعومة فورًا بعد الحصول عليها لتحقيق أرباح، مستغلين الفارق بين سعر الشراء المدعوم وسعر السوق الفعلي. هذا التقييد القانوني ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو رسالة واضحة مفادها أن الدعم السكني مخصص للاستقرار وليس للمضاربة، مما يعزز الثقة في نزاهة البرنامج الحكومي ويضمن وصوله لمن يستحقون.
بالرغم من أهمية هذه الإجراءات في حماية المال العام، إلا أنها تثير تساؤلات حول مدى مرونة هذا النظام في التعامل مع الظروف الطارئة التي قد يواجهها المستفيدون. فبينما يستهدف القانون بشكل أساسي المضاربين الذين يسعون للربح السريع، قد يجد المستفيدون الحقيقيون أنفسهم أمام تحديات غير متوقعة. ماذا لو اضطر شخص ما لبيع منزله المدعوم بسبب تغيير جذري في ظروف عمله، أو بسبب الحاجة الملحة للعلاج الطبي، أو لمواجهة ديون طارئة؟ إن الرهن العقاري، في هذه الحالات، قد يشكل عبئاً ثقيلاً يعيق حركة الأفراد ويقيد قدرتهم على التكيف مع متطلبات الحياة. التحليل القانوني هنا يجب أن يوازن بين حماية مصلحة الدولة في استرداد دعمها ومنح المستفيدين مرونة في إدارة أصولهم العقارية في حال الضرورة القصوى. فإذا كان الهدف هو الاستقرار السكني، يجب أن يكون هناك هامش من المرونة يسمح بالانتقال العادل عند تغير الظروف، بدلاً من فرض قيود صارمة قد تحول العقار المدعوم إلى عبء بدلاً من أصل مريح. إن صياغة القانون يجب أن تفصل بوضوح بين المستفيدين الذين يبيعون بدافع المضاربة والمستفيدين الذين يضطرون للبيع بدافع الحاجة.
التجربة المغربية في دعم السكن ليست فريدة من نوعها، لكنها تواجه تحديات محلية خاصة تتعلق بارتفاع أسعار العقارات بشكل غير متناسب مع القدرة الشرائية للمواطنين. إن قيود التفويت، بالرغم من صرامتها، تشير إلى وعي حكومي بضرورة إعادة النظر في آليات الدعم لضمان تحقيق العدالة الاجتماعية. إن الهدف ليس فقط تقديم الأموال، بل ضمان استمرار الاستفادة منها على المدى الطويل. إن ربط الدعم بشرط عدم البيع لفترة محددة، مع وضع الرهن كآلية تنفيذية، يعيد تعريف العلاقة التعاقدية بين الدولة والمواطن. بدلاً من أن يكون الدعم منحة غير مشروطة، يصبح التزامًا ماليًا يتطلب من المستفيدين الوفاء بمسؤولياتهم تجاه المصلحة العامة. هذه الخطوة ضرورية لضمان استدامة برامج الدعم السكني، فإذا تحول الدعم إلى أداة للمضاربة، فإن خزينة الدولة ستستنزف دون تحقيق الهدف المرجو منها، وهو تخفيف أزمة السكن. ومع ذلك، تبقى الإشكالية الكبرى في كيفية التأكد من أن هذه القيود لا تعرقل حراك الطبقات الاجتماعية التي تسعى لتغيير وضعها نحو الأفضل، أو تتسبب في تجميد أصول عقارية لأسباب خارجة عن إرادة المالكين.
في الختام، يمكن القول إن التوجيهات الجديدة للمحافظ العام تمثل خطوة إصلاحية مهمة نحو ترشيد الدعم السكني في المغرب. إنها محاولة جادة لوضع حد للمضاربة التي كانت تلتهم جزءاً كبيراً من الموارد المخصصة للدعم الاجتماعي. من وجهة نظري، فإن هذا الإجراء، بالرغم من قسوته الظاهرة على حرية التصرف في الملكية، هو ضرورة ملحة لحماية نزاهة البرنامج. فالدعم السكني ليس ترفًا يوزع، بل هو أداة استراتيجية لتحقيق الاستقرار الاجتماعي. ومع ذلك، يجب أن يرافق هذا الإجراء وضع آليات واضحة للتعامل مع الحالات الاستثنائية التي تستدعي البيع المبكر للعقار. على الدولة أن توازن بين حماية مصلحة المال العام وتفهم الظروف الإنسانية المتغيرة. فالهدف ليس معاقبة المستفيدين، بل ضمان وصول الدعم لمن هم في أمس الحاجة إليه. إن هذا التعديل القانوني يفرض على المستفيدين إعادة التفكير في علاقتهم بالملكية السكنية، محولاً إياها من مجرد صفقة تجارية إلى التزام اجتماعي طويل الأمد.