ما وراء الضباب الاستراتيجي: لماذا استهدف ترمب ولاية سوكوتو في نيجيريا؟
لقد اعتدنا أن نسمع عن الضربات العسكرية الغربية ضد تنظيمات مثل داعش في مناطق الصراع التقليدية. عندما يتعلق الأمر بنيجيريا، فإن الذاكرة الاستراتيجية العالمية تتجه فوراً إلى الشمال الشرقي، وتحديداً إلى ولاية بورنو وبحيرة تشاد، حيث يتركز النشاط الأشرس لـ «ولاية غرب إفريقيا» (ISWAP)، الفرع النيجيري لتنظيم داعش. لهذا السبب، أحدث إعلان إدارة ترمب عن ضربات جوية تستهدف قادة داعش في ولاية سوكوتو، الواقعة في الشمال الغربي من البلاد، صدمة وتساؤلات عميقة في الأوساط العسكرية والجيوسياسية. فجأة، تحول التركيز من المركز الثابت للصراع إلى نقطة جديدة تبدو بعيدة عن المسرح الرئيسي. السؤال ليس فقط عن سبب الضربة، بل لماذا سوكوتو تحديداً؟ لفهم هذا التحول، يجب علينا أن نفكك الاستراتيجية الكامنة وراء عملية تبدو للوهلة الأولى غامضة، وأن ندرك أن اختيار الهدف غالباً ما يكون له دوافع أعمق من مجرد مطاردة إرهابيين؛ إنه يتعلق بإعادة رسم خريطة التهديد الجيوسياسي.
إن النظرة السطحية للوضع الأمني في نيجيريا قد تجعل اختيار سوكوتو غير منطقي. ولكن إذا تعمقنا في تطورات التنظيمات الإرهابية، نجد أن التهديد لا يبقى محصوراً في نقطة جغرافية واحدة. كان تنظيم ISWAP يتبع استراتيجية ذكية تتمثل في التوسع التدريجي خارج معقله الأصلي. بينما كانت القوات النيجيرية تركز جهودها على محور بورنو، كانت الجماعات المسلحة تستغل الفراغات الأمنية في مناطق أخرى. ولاية سوكوتو، بحكم موقعها الجغرافي، تمثل نقطة عبور حيوية. فهي تجاور النيجر، وتطل على منطقة الساحل التي أصبحت مسرحاً لانتشار سريع للجماعات المسلحة المرتبطة بداعش والقاعدة. هذه الجماعات تستغل الفوضى الحدودية ونقاط الضعف في السيطرة الحكومية لتأمين طرق الإمداد والتمويل وتجنيد المقاتلين. الضربة الأمريكية في سوكوتو تشير إلى أن الاستخبارات الأمريكية رصدت تحولاً في استراتيجية داعش؛ تحول من مجرد البقاء في بورنو إلى محاولة إنشاء «محور جديد» يربط بين نيجيريا ودول الساحل. هذا المحور، إن تم ترسيخه، سيجعل نيجيريا بوابة لانتشار الفوضى في غرب إفريقيا بأكمله.
في تحليل دوافع إدارة ترمب، يجب أن نتذكر أن سياستها الخارجية كانت تتميز بالرد المباشر والتركيز على القضاء على قادة التنظيمات الإرهابية بدلاً من الانخراط في عمليات مكافحة تمرد واسعة النطاق. كانت هذه الإدارة تميل إلى العمليات أحادية الجانب، معتمدة على الضربات الجوية الدقيقة لتجنب الخسائر البشرية الأمريكية. إن اختيار سوكوتو لاستهداف داعش قد يكون مؤشراً قوياً على أن العملية لم تكن مجرد ضربة عشوائية، بل كانت تستهدف «هدفاً عالي القيمة» (HVT) أو مركزاً قيادياً ناشئاً. قد تكون المعلومات الاستخباراتية قد كشفت عن اجتماع لقادة جدد يسعون لتأسيس الفرع الشمالي الغربي لداعش، أو محاولة لتأمين تمويل جديد عبر شبكات التهريب التي تنشط في المنطقة الحدودية. بالنسبة لإدارة ترمب، كان القضاء على هذا الهدف يمثل أولوية استراتيجية أكثر إلحاحاً من الانخراط في دعم جهود مكافحة التمرد التقليدية التي تقوم بها الحكومة النيجيرية، والتي غالباً ما كانت تعتبر غير فعالة أو بطيئة جداً. هذا التكتيك يهدف إلى تعطيل خطط التنظيم على المدى القريب، حتى لو لم يحل المشكلة الأمنية الأساسية في نيجيريا.
تكمن أهمية سوكوتو أيضاً في تاريخها الرمزي العميق. كانت سوكوتو مركزاً للخلافة الإسلامية في القرن التاسع عشر، وهي تحمل رمزية تاريخية كبيرة في الوعي الإسلامي لغرب إفريقيا. التنظيمات المتطرفة، وخاصة داعش، تستخدم الرمزية التاريخية لجذب المؤيدين وإضفاء الشرعية على مشاريعها التوسعية. استهداف سوكوتو يمكن أن يكون استجابة لـ «استراتيجية الرمزية» التي تتبعها الجماعات المتطرفة. فبمجرد محاولة هذه الجماعات ترسيخ وجودها في سوكوتو، فإنها تحاول استغلال هذا الإرث التاريخي لتصوير نفسها على أنها المدافع عن العقيدة الصحيحة والوريث الشرعي للخلافة القديمة. لذا، فإن الضربة في سوكوتو لم تكن مجرد عملية تكتيكية، بل كانت رسالة استراتيجية تهدف إلى قطع الطريق على التنظيم قبل أن يتمكن من استغلال هذه الرمزية وتحويلها إلى أداة للتجنيد والدعاية. إنها محاولة لضمان أن تبقى سوكوتو مجرد اسم في التاريخ، وليس قاعدة انطلاق لـ «الخلافة» الجديدة في غرب إفريقيا.
في الختام، يكشف اختيار سوكوتو كهدف للعملية العسكرية الأمريكية عن تحول في فهمنا للصراع في غرب إفريقيا. لم يعد الأمر مقتصراً على الصراع في بورنو، بل أصبح تهديداً متعدد الجبهات يمتد ليشمل مناطق جديدة. الضربة الأمريكية تشير إلى أن سوكوتو تحولت إلى نقطة وصل استراتيجية حاسمة بين التمرد المحلي وشبكات داعش العالمية. لقد أدركت إدارة ترمب أن التحدي الأمني في نيجيريا لم يعد معزولاً، وأن الفوضى في الشمال الغربي قادرة على الانفجار بسرعة لتشمل الساحل الأوسع. هذه العملية لم تكن مجرد خطوة تكتيكية، بل كانت محاولة استباقية لتعطيل خطة توسع كان من الممكن أن تحول نيجيريا إلى ساحة صراع أوسع وأكثر تعقيداً. إنها تذكرة بأن مكافحة الإرهاب تتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز النقاط الساخنة التقليدية، وتستجيب بمرونة للمحاور الجديدة التي يحاول الأعداء تأسيسها في المناطق التي تبدو هادئة.