ملحمة أدرار: عندما كادت 'السناجب' أن تُسقط عرش الفراعنة في ليلة الكان الحماسيةAdrar-Epic-When-The-Squirrels-Almost-Toppled-The-Pharaohs-Throne-On-An-Exciting-AFCON-Night

Adrar-Epic-When-The-Squirrels-Almost-Toppled-The-Pharaohs-Throne-On-An-Exciting-AFCON-Night


لم تكن ليلة الاثنين في ملعب أدرار بأكادير مجرد مباراة في دور الستة عشر لبطولة كأس أمم إفريقيا 2025؛ لقد كانت اختباراً قاسياً لصلابة التاريخ أمام طموح اللحظة. عندما التقى المنتخب المصري، حامل لقب سبع مرات، بمنتخب بنين، الذي يلقب بـ'السناجب'، كانت التوقعات تميل بثقلها لصالح الفراعنة. لكن كرة القدم، وكما عودتنا دائماً في الكان، أبَت أن تمر بهدوء. المشهد الذي انتهى عليه الوقت الأصلي بنتيجة التعادل الإيجابي (1-1) لم يكن مجرد تعثر عابر؛ بل كان دليلاً صارخاً على أن مرحلة خروج المغلوب لا تعترف بالأسماء الكبيرة، بل بالانضباط التكتيكي والقتال حتى الرمق الأخير. عاش الجمهور المصري دقائق من التوتر غير المسبوق، حيث بدا الفريق وكأنه يبحث عن حلول فردية في مواجهة جدار بنيني صلب، مُعزز بلياقة بدنية مذهلة، ومُسلح برغبة جامحة في كتابة فصل تاريخي جديد للكرة البنينية على حساب أحد عمالقة القارة السمراء. هذه الملحمة، التي امتدت إلى مئة وعشرين دقيقة، كشفت الكثير عن مدى الفجوة بين الإمكانيات الفردية المطلقة والاحتياج المُلِح للتناغم الجماعي في بطولات من هذا النوع.

أحد أبرز ما ميز أداء منتخب بنين كان البراعة التكتيكية للمدرب الذي عرف تماماً كيفية استغلال المساحات الشحيحة وتحويل الضغط المصري إلى فرصة للارتداد السريع. لم يلعب منتخب 'السناجب' بأسلوب دفاعي بحت، بل اعتمد على منظومة متوازنة (4-4-2) تحولت إلى (5-4-1) عند الدفاع، مع إغلاق محكم للمحاور الرئيسية التي يعتمد عليها صناع لعب مصر. هذا الانضباط جعل اختراق العمق المصري أمراً شبه مستحيل في الشوطين الأول والثاني، مما اضطر لاعبي الفراعنة إلى اللجوء للعرضيات المباشرة، والتي غالباً ما وجدها الدفاع البنيني بانتظار. لقد استنزف البنينيون الطاقة النفسية للاعبي مصر من خلال لعبهم الذكي على وتيرة المباراة، وتأمينهم لخيار التعادل كنصر بحد ذاته. لقد أثبتوا أن التطور الكروي في القارة ليس حكراً على الفرق التقليدية، وأن القدرة على تضييق الفوارق الفنية أصبحت مهارة أساسية تمتلكها فرق الصف الثاني في إفريقيا، وهو ما يرفع من مستوى المنافسة ويجعل كل مباراة في كأس الأمم بمثابة نهائي مبكر. كان الأداء البنيني رسالة واضحة: إذا لم يحضر المنتخب الكبير بكامل تركيزه وانضباطه، فإن المفاجأة تكون على بعد صافرة.

على الجانب المصري، لم يكن الدخول في المباراة بالمستوى المطلوب. بدا الفريق وكأنه يعاني من ثقل التوقعات وضغط الجماهير التي تتوقع منه السير بخطى ثابتة نحو اللقب الثامن. كان هناك اعتماد مفرط على نجومية بعض اللاعبين لفك شفرة الدفاع البنيني، بدلاً من اللعب بمنظومة جماعية سلسة. الروتين التكتيكي الذي ظهر به الفراعنة في الوقت الأصلي كان النقطة الأضعف، حيث لم ينجح المدرب في إيجاد حلول سريعة لاختراق الكتل الدفاعية المتراصة. لقد افتقدت تمريرات خط الوسط للسرعة والدقة اللازمتين لزعزعة التوازن البنيني. شخصياً، أرى أن حالة الإحباط التي تسربت للاعبين بعد فشلهم المتكرر في التسجيل هي ما أدت إلى اهتزاز الشباك المصرية، نتيجة لترك مساحات خطيرة في الخلف أثناء محاولات الهجوم المتسرعة. اللحظة التي تغير فيها المشهد لم تكن تكتيكية بحتة بقدر ما كانت نفسية؛ إذ مع بداية الأشواط الإضافية، دخل المنتخب المصري بعقلية مختلفة، عقلية تدرك أن الفرصة الأخيرة لا تحتمل التراخي، مما حرر اللاعبين من الضغط النفسي الأولي وسمح لهم باللعب بحرية أكبر.

كانت الأشواط الإضافية هي الفصل الحقيقي الذي كشف عن معدن الفراعنة الأصيل. عندما وصلت المباراة إلى مرحلة الإجهاد البدني والنفسي، حيث بدأ التركيز يتلاشى لدى خطوط بنين الدفاعية، استغل المنتخب المصري خبرته الكبيرة وتاريخه في هذه المواقف. الأهداف التي سجلها المصريون في الشوط الإضافي الأول والثاني لم تكن مجرد كرات عشوائية؛ بل كانت نتاجاً لاستغلال مدروس لإنهاك الخصم. لقد ارتفعت وتيرة اللعب المصري بشكل ملحوظ، وتحركت الكرة بشكل أسرع في الثلث الأخير من الملعب، مما أدى إلى خلق فرص حقيقية للتسجيل. الهدفان الثاني والثالث، اللذان حسم بهما الفراعنة اللقاء بنتيجة 3-1، جاءا ليؤكدا على جودة اللاعبين البدلاء وتأثير التغييرات التي ضخها المدرب لتعزيز الهجوم. إن الانتصار في مواجهة كهذه، بعد اللجوء إلى 120 دقيقة، يؤكد أن المنتخب المصري يمتلك عمقاً في التشكيلة وقدرة على التحمل، وهي صفات لا غنى عنها لأي فريق يطمح بالفوز بلقب بطولة طويلة وشاقة مثل كأس الأمم الإفريقية. لقد انتزع الفراعنة بطاقة العبور، ليس فقط بالمهارة، بل بالقوة الذهنية.

الخاتمة المدروسة لهذا اللقاء المثير يجب أن تكون بمثابة مرآة تعكس الدروس المستفادة. بالنسبة لمنتخب بنين، يمكنهم مغادرة المغرب مرفوعي الرأس، فقد قدموا نموذجاً للتفاني والتنظيم، وتركوا بصمة قوية في البطولة. أما بالنسبة لمصر، فإن الانتصار على 'السناجب' بجهد جهيد يجب أن يُعتبر بمثابة جرس إنذار قوي قبل خوض غمار الدور ربع النهائي. إن الاعتماد على اللحظات الفردية أو التوقع بأن التاريخ سيخدم الفريق تلقائياً لن يكون كافياً أمام منافسين أكثر تنظيماً وقوة في الأدوار المقبلة. يتوجب على الطاقم الفني المصري معالجة مشاكل البطء في بناء الهجمات، وتحسين الفعالية الهجومية في مواجهة الفرق التي تعتمد على التكتل الدفاعي. الطريق نحو اللقب الثامن ما زال طويلاً ومليئاً بالعقبات، ولكن الشيء المؤكد هو أن الفراعنة أظهروا أنهم يمتلكون العزيمة والقدرة على تجاوز الأزمات، حتى وإن كلفهم ذلك جهداً مضاعفاً في ليالي أدرار المشتعلة. الآن، ينصب التركيز على التحضير للمواجهة القادمة، حيث لا مجال للأخطاء أو التراخي.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url