ما بعد السقوط: هل ينجح السوريون في انتزاع العدالة من أرشيف الجلاد؟After-the-Fall-Will-Syrians-Succeed-in-Seizing-Justice-from-the-Executioners-Archive



في خضم الاحتفالات بانهيار نظام بشار الأسد، وبعد عقد من الحرب الأهلية التي مزقت البلاد، برزت حقيقة أكثر قسوة من الخراب المادي: العدالة المؤجلة لعشرات الآلاف من الضحايا. فمع بدء المرحلة الانتقالية في سوريا عام 2024، لم يكن التحدي الأكبر هو إعادة بناء المدن المدمرة، بل إعادة بناء ذاكرة وطنية ممزقة. في ظل سيطرة الأجهزة الأمنية المطلقة على مفاصل الدولة لعقود، كان الاختفاء القسري سلاحًا منهجيًا، أداة للترهيب والإخضاع. واليوم، وبعد زوال النظام، يجد السوريون أنفسهم أمام مهمة شاقة توازي في تعقيدها إعادة الإعمار الاقتصادي: البحث عن مصير أحبائهم المفقودين. إنها رحلة تهدف إلى تحويل صمت الماضي إلى صرخات تستصرخ العدالة، والكشف عن حقيقة الجرائم التي ظلت طي الكتمان لسنوات طويلة. فهل يمكن لعملية البحث عن الحقيقة أن تكون أساسًا لبناء سوريا جديدة، بعيدة عن شبح الاستبداد؟

إن ما يُطلق عليه اليوم اسم "أرشيف الموت" ليس مجرد مجموعة من الوثائق؛ إنه سجل لجريمة دولة منظمة بعناية فائقة. فخلال سنوات النزاع، كانت الأجهزة الأمنية تعمل في ظل إفلات كامل من العقاب، محولة السجون إلى مقابر جماعية سرية. كانت استراتيجية النظام تقوم على إنكار وجود المعتقلين بالأساس، لخلق حالة من "الغياب الغامض" تمنع أسرهم من البحث عنهم أو حتى إقامة حداد مناسب. ومع سقوط النظام، انكشفت تدريجيًا دلائل على حملة إبادة منهجية، حيث عثر على مقابر جماعية وتكشفت أوراق تثبت مسؤولية أجهزة المخابرات. إن رحلة البحث عن العدالة تتطلب من السوريين اليوم، بمساعدة المنظمات الدولية والمحلية، جمع هذه الأدلة المبعثرة. إنها محاولة لتوثيق الجرائم التي ارتكبت في الظلام، لتقديمها كقضايا لا يمكن إنكارها أمام المحاكم المستقبلية. التحدي هنا ليس فقط في الوصول إلى الحقيقة، بل في ضمان عدم تدمير هذه الأدلة من قبل فلول النظام الهاربين أو المجموعات المتصارعة. هذا الأرشيف هو الذاكرة الحقيقية للشعب، ويجب أن يكون هو الأساس الذي يُبنى عليه المستقبل.

في سياق العدالة الانتقالية، يواجه السوريون معضلات لا حصر لها. هل الأولوية للسلام والاستقرار أم للمحاسبة الفورية؟ تاريخيًا، أثبتت التجارب الانتقالية في دول أخرى أن التسرع في المحاسبة قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الهش، بينما تأجيلها قد يؤدي إلى ضياع حقوق الضحايا. بالنسبة لسوريا، تكمن الصعوبة في الحجم الهائل للجرائم وتورط عدد كبير من المسؤولين في النظام السابق. هل يمكن تحقيق العدالة من خلال محاكم خاصة، على غرار محكمة يوغوسلافيا السابقة، أم أن الأمر يتطلب نموذجًا سوريًا خاصًا يركز على لجان الحقيقة والمصالحة؟ إن الضغط الشعبي للبحث عن "المختفين" ليس مجرد بحث عن أسماء؛ إنه بحث عن حقيقة تاريخية يجب أن تُكتب بأيدي الضحايا، وليس بأقلام المنتصرين. عملية العدالة الانتقالية يجب أن تهدف إلى الكشف عن الحقيقة والاعتراف بالضرر، مما يسمح للضحايا بالتعافي والمجتمع بالبدء في مرحلة المصالحة الوطنية.

إن التحدي الأعمق في هذه المرحلة الانتقالية يكمن في البعد النفسي والاجتماعي. عندما يختفي شخص ما، لا تتوقف حياة عائلته عند نقطة البحث، بل تدخل في حالة من "الخسارة المبهمة" (Ambiguous Loss)، حيث لا يمكن إقامة الحداد لأن حالة الشخص غير مؤكدة. هذا النوع من الصدمة يمتد ليشمل المجتمع بأكمله. بالنسبة للسوريين، لا يتعلق الأمر بشخص واحد، بل بعشرات الآلاف، مما يجعل هذه الخسارة وطنية بامتياز. إعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة تبدأ من قدرة هذه المؤسسات على توفير الإجابات لعائلات الضحايا. من وجهة نظري، فإن الفشل في تقديم هذه الإجابات، أو محاولة طمس الحقيقة، سيؤدي حتمًا إلى تفاقم الجراح وتأخير عملية التعافي الوطني. لا يمكن أن تستقر سوريا الجديدة إذا استمرت عائلات الضحايا في البحث عن أبنائها في المقابر الجماعية. العدالة، في هذه الحالة، ليست مجرد عقوبة للمجرمين، بل هي اعتراف بحق الضحايا في الوجود والذاكرة.

في الختام، فإن "أرشيف الموت" هو شهادة حية على إصرار الشعب السوري على مواجهة ماضيه الأليم، وليس الهروب منه. إن عملية البحث عن العدالة، في "سوريا ما بعد الأسد"، هي عملية بناء للدولة. فالدولة الجديدة لا يمكن أن تقوم على أساس من الإنكار أو التستر على الجرائم. الذاكرة الجماعية هي الأساس الصلب الذي يُبنى عليه المستقبل؛ فبقدر ما يتم كشف الحقيقة وتقديم المسؤولين للعدالة، بقدر ما يمكن للمجتمع السوري أن يتجاوز صدمته ويؤسس لعهد جديد. إنها رحلة طويلة وشاقة، ولكنها ضرورية لضمان ألا يتكرر الماضي المظلم. ففي نهاية المطاف، لن يتم نسيان الضحايا، وستظل قصصهم هي الشرارة التي تضيء طريق سوريا نحو العدالة، حتى لو كانت هذه العدالة مؤجلة.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url