شبكات الأشباح الانتخابية: كيف تتبخر المليارات عبر الشراكات الوهمية في الجماعات الترابية
في خضم سعي المغرب لترسيخ أسس الحكامة المحلية وتعزيز اللامركزية، يظهر واقع آخر يكشف عن استمرار تحديات عميقة تهدد مصداقية العمل المؤسساتي. فبينما يتم الحديث عن تفويض الصلاحيات للجماعات الترابية، تبرز تقارير حديثة صادرة عن المجالس الجهوية للحسابات لتكشف عن فصول جديدة من الفساد المستتر، تتمحور حول استغلال ميكانيزمات الشراكة مع المجتمع المدني لخدمة أجندات انتخابية ضيقة. الخبر الذي هز الرأي العام يتعلق بالكشف عن شبكات منظمة تستغل الشراكات الوهمية كواجهة شرعية لاستنزاف المليارات من المال العام. هذه المليارات، التي كان من المفترض أن تخصص لتنمية البنية التحتية وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين في جهات حيوية مثل الدار البيضاء-سطات ومراكش-آسفي والرباط-سلا-القنيطرة، يتم توجيهها بذكاء إلى جيوب شبكات انتخابية، مما يعيد تعريف مفهوم «الريع» ليصبح «الريع الانتخابي المنظم».
إن الآلية المكتشفة، التي وصفتها التقارير بالـ «شراكات الوهمية»، ليست مجرد مخالفة إدارية عابرة، بل هي نظام متكامل لإعادة تدوير المال العام لضمان الولاء السياسي. يتم ذلك عبر استغلال النقص في الرقابة على تمويل الجمعيات، حيث يتم إنشاء جمعيات صورية أو واجهات لمنظمات مدنية قائمة، يتم توقيع اتفاقيات شراكة معها بصفة رسمية. هذه الاتفاقيات تتيح تحويل مبالغ مالية ضخمة تحت مسميات براقة مثل «دعم الأنشطة الاجتماعية» أو «تنمية القدرات المحلية». لكن الحقيقة التي كشفت عنها عمليات الافتحاص هي أن هذه الجمعيات إما لا تقوم بأي نشاط فعلي على الأرض، أو أن الأنشطة التي تقوم بها لا تتناسب على الإطلاق مع حجم التمويل الذي تحصل عليه. الهدف من هذه العملية هو توفير غطاء شرعي لتحويل الأموال إلى شبكات محلية تابعة للمنتخبين، تستغل هذه الأموال لشراء الذمم وتعبئة الجماهير الانتخابية، مما يضمن استمرار هيمنة نفس الوجوه السياسية في الدورات الانتخابية المتتالية. هذا السلوك لا يمثل فقط سرقة للمال العام، بل هو تشويه صريح للمسار الديمقراطي.
تحليل تداعيات هذه الظاهرة يكشف عن آثار اقتصادية واجتماعية وخيمة. فبدلاً من أن تتحول الجماعات الترابية إلى قاطرة للتنمية المحلية، تصبح مصدراً للاستنزاف، مما يعيق تنفيذ المشاريع الحقيقية التي يحتاجها المواطنون. عندما تتبخر ميزانيات ضخمة في شراكات وهمية، تتوقف مشاريع البنية التحتية، وتتدهور جودة الخدمات العمومية، ويزداد الفقر والتهميش في المناطق المستهدفة. كما أن هذا النمط من الفساد يعزز من ثقافة الإفلات من العقاب، ويغرس في الوعي الجمعي فكرة أن التنمية ليست أولوية، بل أن المصالح الشخصية والانتخابية هي المحرك الرئيسي للعمل السياسي. هذا النظام الفاسد يقتل روح المبادرة لدى المجتمع المدني الحقيقي الذي يسعى بصدق لخدمة قضايا التنمية، ويقوض الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، مما يخلق بيئة من اللامبالاة واليأس تجاه التغيير الإيجابي.
في هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي تلعبه المجالس الجهوية للحسابات كآلية رقابية فاعلة. التقارير الصادرة عن هذه المجالس ليست مجرد إحصائيات، بل هي وثائق إدانة تفصيلية تسلط الضوء على نقاط ضعف النظام المالي والإداري للجماعات الترابية. هذه التقارير تمنحنا فرصة ثمينة لإعادة تقييم الإطار القانوني للشراكات بين الجماعات والجمعيات، وتطالب بتشديد الرقابة على مصادر تمويل الجمعيات ونفقاتها. ومع ذلك، فإن نشر هذه التقارير، على أهميته، لا يكفي وحده. فالتحدي الأكبر يكمن في تحويل هذه النتائج إلى إجراءات عملية ومحاسبة فعلية للمتورطين. غالباً ما تظهر مثل هذه التقارير ثم يتم نسيانها، تاركة شبكات الفساد تعمل بلا رادع. إن الرأي العام المغربي يطالب اليوم بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحويل نتائج الافتحاص إلى ملفات قضائية يتم البت فيها بشفافية، لردع كل من تسول له نفسه استغلال منصبه العام لتحقيق مكاسب شخصية أو حزبية على حساب الصالح العام.
إن الكشف عن هذه الشبكات الوهمية يضعنا أمام مفترق طرق حاسم في مسيرة بناء الحكامة المحلية. فإما أن تتحول هذه التقارير إلى نقطة انطلاق لإصلاح جذري يطهر الجماعات الترابية من هذه الممارسات، وإما أن تظل مجرد حبر على ورق يعزز من شعور المواطنين بالإحباط. الحل يتطلب مقاربة شاملة تبدأ بتشديد الإجراءات القانونية المتعلقة بالشراكات، وتفعيل الرقابة المستمرة على أداء الجمعيات الممولة من المال العام، وتوفير الشفافية الكاملة في آليات التمويل، لضمان أن الأموال المخصصة للتنمية تصل فعلاً إلى مستحقيها. يجب أن تكون هذه التقارير بمثابة جرس إنذار للسلطات العليا، لتأكيد أن استدامة التنمية ونجاح النموذج التنموي الجديد لا يمكن أن يتحققا في ظل استمرار هيمنة شبكات الريع الانتخابي على مفاصل القرار المحلي. إن استعادة ثقة المواطن في مؤسساته رهينة بتحقيق العدالة المالية والسياسية، ومواجهة الفساد بكل أشكاله.