صقور في سماء الشام: هل تنجح أمريكا في اجتثاث جذور الإرهاب أم أنها مجرد ضربات استعراضية؟Hawks-in-Syria-Will-US-Succeed-in-Uprooting-Terrorism-or-Just-Show-Off-Strikes
لطالما كانت الأجواء السورية مسرحًا لصراع معقد ومتشابك، حيث تتداخل المصالح الجيوسياسية للقوى الكبرى مع صراعات داخلية عميقة. وفي خضم هذا المشهد المربك، جاء إعلان الولايات المتحدة عن تنفيذ ضربات واسعة النطاق ضد أهداف تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا، ليؤكد أن الحرب على الإرهاب لم تنتهِ بعد، وأنها تتخذ أشكالًا جديدة تتناسب مع الطبيعة المتطورة للتهديد. هذه الضربات، التي جاءت كرد فعل مباشر على هجوم سابق أسفر عن مقتل جنود أمريكيين، تثير تساؤلات جوهرية حول استراتيجية واشنطن في المنطقة، وطبيعة التحدي الذي يمثله داعش بعد سنوات من إعلان هزيمته الميدانية، والأثر المترتب على هذا التحرك في سياق إقليمي مشتعل بالفعل. إنها ليست مجرد عملية عسكرية روتينية، بل هي رسالة مزدوجة: الأولى لتنظيم يتنفس من جديد، والثانية للأطراف الأخرى التي تسعى لملء الفراغ الأمني في المنطقة، مع التأكيد على أن الولايات المتحدة لا تزال تراقب وتتدخل متى رأت مصالحها مهددة.
إن فهم سياق هذه الضربات يتطلب العودة بالذاكرة إلى ما بعد سقوط «الخلافة» المزعومة لتنظيم داعش عام 2019. فبينما كان العالم يحتفل بانتهاء سيطرة التنظيم على الأراضي، كان الواقع على الأرض يشير إلى تحول تكتيكي لا هزيمة استراتيجية. لم يتبخر التنظيم، بل تحول إلى شبكة خلايا نائمة، متخفيًا في الصحارى الشاسعة والمناطق النائية في سوريا والعراق. أصبحت استراتيجية داعش الجديدة تعتمد على شن هجمات الكر والفر، استغلال الثغرات الأمنية بين مناطق سيطرة الفصائل المتناحرة، وتجنيد المقاتلين الجدد من خلال استغلال الفقر والإحباط المحلي. الهجوم الأخير على القوات الأمريكية، الذي أشار إليه البيان، هو دليل قاطع على أن التنظيم لا يزال يحتفظ بقدرته على التخطيط والتنفيذ، وأنه يمتلك شبكة قيادة وسيطرة تسمح له بشن عمليات نوعية. وبالتالي، فإن الضربات الأخيرة ليست مجرد رد فعل عاطفي، بل هي اعتراف ضمني بأن التنظيم لم يعد مجرد «بقايا» بل تهديد مستمر يتطلب استجابة حازمة ومنظمة، حتى لو كان ذلك ضمن عمليات محدودة جغرافيًا وموجهة بدقة.
تكمن أهمية هذه العملية، التي أطلق عليها اسم رمزي (كـ «عين الصقر» أو ما شابه)، في دلالتها الاستراتيجية ضمن خارطة الصراع الإقليمي المعقد. فالمنطقة ليست مجرد ساحة حرب ضد الإرهاب، بل هي بؤرة توتر جيوسياسي بين قوى إقليمية ودولية. التواجد الأمريكي في سوريا، على الرغم من محدوديته، يمثل حاجزًا أمام التوسع الإيراني والروسي في بعض المناطق. ومن المثير للاهتمام أن هذه الضربات ضد داعش تأتي في وقت تتصاعد فيه التوترات بين الولايات المتحدة والجماعات الموالية لإيران في سوريا والعراق. يمكن قراءة توجيه هذه الضربات نحو داعش تحديدًا كإشارة استراتيجية من واشنطن، مفادها أن الصراع الأساسي المعلن في سوريا هو ضد الإرهاب العابر للحدود، وليس بالضرورة صراعًا مباشرًا مع القوى الإقليمية الأخرى. إنها محاولة لفصل جبهة مكافحة الإرهاب عن جبهة الردع ضد الميليشيات المدعومة من طهران، على الرغم من أن كلتا الجبهتين تتقاطعان في نفس المساحة الجغرافية. هذا الفصل الاستراتيجي يسمح للولايات المتحدة بفرض قوتها ضد داعش دون التسبب في تصعيد مباشر مع روسيا أو إيران، مما يعكس توازنًا دقيقًا في إدارة الصراع.
ومع ذلك، يطرح هذا النمط من العمليات العسكرية سؤالًا حاسمًا حول مدى فاعلية الضربات الجوية في القضاء على تنظيم ذي طبيعة أيديولوجية وشبكية. أظهرت التجارب السابقة، بدءًا من أفغانستان مرورًا بالعراق، أن الضربات الجوية، على الرغم من قدرتها على تدمير البنية التحتية القيادية والمادية للتنظيم في المدى القصير، لا تستطيع القضاء على الأيديولوجية المتطرفة التي تغذي هذه الشبكات. فبمجرد تشتيت قيادة التنظيم، فإنه يعاود التجمع في مكان آخر أو يتخذ شكلًا آخر. إن استمرار نشاط داعش في سوريا، رغم كل الضربات السابقة، يؤكد أن المشكلة أعمق من مجرد وجود خلايا مسلحة. إنها مرتبطة بعوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية، كغياب الحكم الرشيد، وتدهور الخدمات الأساسية، وتهميش بعض الفئات السكانية. وبالتالي، فإن الضربات العسكرية لا تمثل حلاً نهائيًا، بل هي أداة لإدارة تهديد مستمر. يمكن لهذه الضربات أن تمنح القوات الأمريكية والشركاء المحليين وقتًا لالتقاط الأنفاس، لكنها لن تنهي دورة العنف ما لم يتم معالجة جذور المشكلة في سوريا والعراق، وهو ما يتطلب حلاً سياسيًا شاملًا وليس فقط عسكريًا.
في الختام، يمكن القول إن إعلان الولايات المتحدة عن استهداف داعش في سوريا يمثل حلقة جديدة في مسلسل لا نهاية له من صراع إدارة الأزمات. إنها خطوة ضرورية للحفاظ على مصداقية واشنطن كقوة ضامنة للأمن في المنطقة، وردع أي هجمات مستقبلية على قواتها. لكنها في الوقت نفسه تكشف عن حقيقة مؤلمة: أن التنظيمات الإرهابية مثل داعش أصبحت تهديدًا دائمًا يتكيف مع الظروف الجيوسياسية. إن التحدي الحقيقي لواشنطن لا يكمن في تحديد الأهداف وتدميرها، بل في تطوير استراتيجية طويلة الأمد لا تعتمد فقط على القوة العسكرية. ففي غياب استقرار سياسي حقيقي، ستظل سوريا بيئة خصبة لإعادة إنتاج التطرف، وستبقى القوات الأمريكية عالقة في حلقة مفرغة من الضربات الانتقامية والتهديدات المتجددة. إن عملية «عين الصقر» قد تحقق نجاحًا تكتيكيًا، لكنها تتركنا نتساءل: متى سيأتي الحل الاستراتيجي الذي ينهي هذه الحلقة المفرغة بشكل جذري؟