في قلب العاصفة: هل يستطيع اجتماع زامبيا إيقاف دوامة العنف في شرق الكونغو؟In-the-heart-of-the-storm-Can-the-Zambia-meeting-stop-the-spiral-of-violence-in-eastern-Congo
اجتماع زامبيا لتهدئة الأوضاع في شرق الكونغو الديمقراطية، ليس مجرد قمة دبلوماسية عابرة؛ بل هو نداء استغاثة أخير من منطقة تمزقها عقود من العنف المتجدد، الذي يتخذ أبعاداً كارثية في الأشهر الأخيرة. إنها محاولة يائسة لوقف نزيف الدم في بقعة من العالم، تُعد من أغنى المناطق بالموارد، لكنها تُعاني من أفقر مستويات الأمن والاستقرار. هذا الاجتماع، الذي يأتي في سياق تصاعد القتال المستمر منذ العام الماضي، يعيد إلى الواجهة التساؤل الأزلي: هل يمكن للجهود الدبلوماسية الإقليمية أن تتفوق على المصالح المتضاربة للقوى الإقليمية والمحلية، التي تتغذى على الفوضى؟ النزاع الحالي في شرق الكونغو ليس مجرد صراع محلي، بل هو تعقيد جيوسياسي متعدد الأوجه، يمتد تأثيره إلى كل ركن في القارة السمراء، مُهدداً بجر المنطقة بأسرها إلى حافة الهاوية. إن الأزمة الإنسانية المتصاعدة، حيث يواجه ملايين المدنيين التشرد والجوع، تضع ضغوطاً هائلة على قادة المنطقة لإيجاد حلول جذرية، بدلاً من مجرد حلول مؤقتة، فشلت مراراً وتكراراً في الماضي القريب.
لفهم حجم التحدي الذي يواجه اجتماع زامبيا، يجب الغوص في جذور الأزمة التي تتجاوز مجرد الاشتباكات العسكرية الأخيرة. فشرق الكونغو، وخاصة مقاطعتي شمال وجنوب كيفو، هي مسرح لصراع دائم على السيطرة على الموارد الطبيعية الهائلة، التي تتراوح بين الكوبالت والكولتان والذهب، وهي مواد أساسية لإنتاج التكنولوجيا الحديثة. هذه الثروة تحولت إلى لعنة، حيث استخدمت كوقود للصراع من قبل عشرات الميليشيات المحلية والأجنبية، بما في ذلك حركة M23، التي يُنظر إليها على أنها أداة في أيدي قوى إقليمية تسعى لتأمين مصالحها الاقتصادية والسياسية. اللوم المتبادل بين كينشاسا وكيغالي، بشأن دعم هذه المجموعات المسلحة، يخلق حالة من انعدام الثقة تُعرقل أي جهود للسلام. ما يجعل الأزمة الحالية أكثر خطورة هو تراجع دور القوات الإقليمية والدولية (مثل بعثة الأمم المتحدة MONUSCO والقوة الإقليمية التابعة لمجموعة شرق إفريقيا EAC)، التي فشلت في توفير الاستقرار، مما أدى إلى فراغ أمني تستغله الميليشيات. إن اجتماع زامبيا لا يمكنه أن ينجح إلا إذا تمكن من معالجة هذه الديناميات المعقدة والمساءلة الإقليمية، بدلاً من الاكتفاء بالحديث عن إيصال المساعدات الإنسانية.
من وجهة نظري، فإن أكبر عائق أمام عملية السلام في شرق الكونغو ليس غياب النوايا الحسنة، بل انعدام الثقة المتبادل بين الأطراف الفاعلة، والهشاشة المؤسسية للدولة الكونغولية. اجتماع زامبيا، على غرار الاجتماعات السابقة (مثل عملية لواندا ونيروبي)، يهدف إلى إيجاد آلية لتخفيف التوترات الإقليمية وضمان التزام جميع الأطراف بوقف إطلاق النار. ومع ذلك، فإن التاريخ يُظهر أن هذه الآليات غالباً ما تُهزم أمام الواقع المرير على الأرض. فالميليشيات المحلية لا تتوانى عن استغلال الثغرات الأمنية لتعزيز نفوذها، بينما تتصارع القوى الإقليمية للسيطرة على الأجندة الإقليمية. إن جوهر المشكلة يكمن في عدم وجود إرادة حقيقية لفرض السلام على الأرض، وغياب الآليات الفعالة لمتابعة التعهدات. لقد أظهرت تجربة الكونغو أن الحلول العسكرية لا تجلب سوى المزيد من المعاناة، وأن الحل الدبلوماسي يجب أن يكون مصحوباً بآليات مساءلة قوية ضد الميليشيات ومن يدعمها، بالإضافة إلى خطة شاملة لإصلاح قطاع الأمن في الكونغو وتنمية المناطق المتأثرة بالصراع.
في الوقت الذي يترقب فيه العالم نتائج اجتماع زامبيا، لا يمكننا أن نغفل عن الأزمة الإنسانية المتفاقمة، التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة. إن ملايين النازحين داخلياً، الذين يعيشون في ظروف مزرية، هم الضحايا الأبرياء لهذا الصراع. إن توفير المساعدات الإنسانية، الذي يُعد هدفاً رئيسياً لاجتماع زامبيا، هو ضرورة ملحة لا يمكن تأجيلها. ومع ذلك، فإن توفير الإمدادات الإنسانية لن يكون كافياً لإحلال السلام الدائم. يجب على القادة المجتمِعين في زامبيا أن يتذكروا أن السلام المستدام يتطلب أكثر من مجرد وقف لإطلاق النار؛ بل يتطلب أيضاً جهوداً مكثفة لمعالجة الأسباب الجذرية للصراع، بما في ذلك إعادة بناء المؤسسات، وتعزيز الحكم الرشيد، وتوفير فرص اقتصادية للمجتمعات المحلية. يجب أن تكون عملية السلام شفافة، وتشرك المجتمع المدني والمجتمعات المحلية، لضمان أن الاتفاقيات التي تُبرم في قاعات المؤتمرات تعكس احتياجات وتطلعات المتضررين على الأرض.
في الختام، فإن اجتماع زامبيا يمثل نقطة تحول حاسمة في الأزمة المستمرة في شرق الكونغو. إنها فرصة أخيرة، قد تكون الأهم، لإعادة إحياء مسار السلام المتوقف. النجاح في تحقيق تهدئة مستدامة، يتطلب من القوى الإقليمية التخلي عن مصالحها الضيقة، والالتزام بضمان أمن واستقرار المنطقة بأسرها. لا يمكن أن تستمر المنطقة في تجاهل تداعيات الصراع الكونغولي على الاستقرار الإقليمي، سواء كان ذلك من خلال موجات اللاجئين، أو تهريب الموارد، أو انتشار العنف إلى الدول المجاورة. إننا بحاجة إلى تحول في المنظور، من التركيز على المصالح القومية الضيقة إلى التركيز على التنمية المشتركة والتعاون الإقليمي الحقيقي. يجب أن يكون الهدف النهائي هو بناء دولة كونغولية قوية ومستقرة، قادرة على حماية شعبها وإدارة مواردها بطريقة عادلة وشفافة، مما يضمن في نهاية المطاف سلاماً لا يقتصر على صفحات الاتفاقيات الموقعة في زامبيا، بل يتجذر في حياة مواطني الكونغو.