التعليم العالي المغربي على مفترق طرق: انقسام نقابي يؤجج الصراع التشريعيMoroccan-Higher-Education-At-A-Crossroads-Union-Split-Fuels-Legislative-Conflict
تتأرجح قارب التعليم العالي المغربي في بحر من عدم اليقين، حيث تشهد أروقة النقابة الوطنية للتعليم العالي، الصوت الأبرز للأساتذة الجامعيين، انقساماً حاداً يهدد بتعطيل مسيرة النضال المطلبي. إن الخلافات العميقة حول الكيفية المثلى لصياغة رد موحد تجاه القانون رقم 59.24، الخاص بالتعليم العالي والبحث العلمي، تخلق حالة من الجمود، وتؤخر اتخاذ خطوات تصعيدية قد تكون حاسمة. هذا التباطؤ يأتي في وقت تتسارع فيه عجلة التشريع، حيث يُنتظر أن يشهد الأسبوع المقبل المصادقة النهائية على النص القانوني، مما يضع النقابة في موقف حرج، ويثير تساؤلات حول قدرتها على فرض صوتها في ظل هذا التشرذم الداخلي. فالقانون، الذي يرفضه عدد من المكونات النقابية، يبدو أنه يسير بخطى ثابتة نحو التطبيق، تاركاً وراءه صدى المعارضة المتفرقة.
من وجهة نظري، فإن هذا الانقسام النقابي ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر حول استراتيجية معينة، بل هو انعكاس لصراعات أعمق قد تكون مرتبطة بتصورات مختلفة لمستقبل الجامعة المغربية، أو حتى بتوازنات قوى داخلية. إن غياب جبهة موحدة ومتماسكة يمنح الأطراف التشريعية مساحة أوسع للمناورة، ويضعف القدرة التفاوضية للنقابة كممثل للأساتذة. إن مسألة آلية تقرير الرد ليست مجرد تفصيل إجرائي، بل هي جوهر العملية الديمقراطية داخل أي مؤسسة، خاصة النقابية. عندما تفشل هذه الآلية في تحقيق التوافق، فإن ذلك يضرب في صميم مصداقية النقابة وقدرتها على حشد الدعم والتعبئة. إن التأخير في اتخاذ قرارات حاسمة في هذه المرحلة المفصلية قد يعني تضييع فرصة تاريخية لإعادة تشكيل معالم التعليم العالي بما يخدم مصالح الأساتذة والطلاب على حد سواء.
تكمن المشكلة الأساسية، كما أراها، في طبيعة القانون نفسه. فالقانون رقم 59.24، في جوهره، يثير قلقاً مشروعاً لدى شريحة واسعة من الأكاديميين. إن التحديات التي يطرحها، سواء فيما يتعلق باستقلالية الجامعات، أو جودة البحث العلمي، أو ظروف العمل والترقيات، هي قضايا تمس صلب المهنة الأكاديمية. إن رفضه لا يأتي من فراغ، بل هو نابع من تقييم دقيق للتداعيات المحتملة لهذا النص على حاضر ومستقبل المنظومة الجامعية. ولكن، حتى مع وجود هذا الرفض، فإن النقابة مطالبة بتقديم رد قوي وموحد. هنا يأتي دور القيادة النقابية في رأب الصدع، وإيجاد صيغ توافقية تسمح بتجاوز الخلافات الداخلية، وتوجيه الجهود نحو مواجهة التحدي الخارجي المتمثل في تمرير هذا القانون. فالوحدة، حتى مع الاختلاف، هي سلاح الفكر في المعركة.
إن الاستمرار في هذا المسار من الانقسام قد يؤدي إلى نتائج وخيمة. ففي حال المصادقة النهائية على القانون دون وجود معارضة نقابية قوية وموحدة، فإن ذلك يعني أن إرادة مجموعة من الأساتذة، عبر ممثليهم، لم تتمكن من فرض صوتها. هذا بدوره يمكن أن يولد شعوراً بالإحباط واليأس لدى الكوادر الأكاديمية، ويقوض الثقة في قدرة النقابات على الدفاع عن مصالحها. كما أن ذلك قد يشجع المشرعين على تجاهل الأصوات المعارضة في المستقبل، مما يفتح الباب أمام المزيد من القوانين التي قد لا تلبي تطلعات القطاع. إن هذه ليست مجرد معركة حول قانون، بل هي معركة حول مبدأ المشاركة والديمقراطية في صنع القرارات التي تؤثر على مستقبل قطاع حيوي كقطاع التعليم العالي.
ختاماً، يمكن القول إن النقابة الوطنية للتعليم العالي تقف أمام مفترق طرق حاسم. إن تجاوز الخلافات الداخلية، والتوصل إلى رؤية موحدة حول استراتيجية الرد على القانون رقم 59.24، بات أمراً ملحاً وضرورياً. إن استمرار الانقسام لن يخدم إلا مصالح من يسعون لتمرير هذا القانون دون مناقشة جادة أو معارضة فعالة. يتطلب الأمر قيادة حكيمة، وقدرة على استيعاب مختلف الآراء، وتوحيد الجهود نحو هدف مشترك. إن مستقبل التعليم العالي المغربي، ومكانة الأستاذ الجامعي، يعتمدان بشكل كبير على قدرة النقابة على تجاوز هذه المرحلة الحرجة، وتقديم جبهة موحدة قادرة على الدفاع عن مصالح القطاع بكل قوة وحزم.