لعنة البترو-دولار: لماذا يخشى غرب أفريقيا التحول إلى فنزويلا جديدة؟The-Petro-dollar-Curse-Why-West-Africa-Fears-Becoming-a-New-Venezuela

The-Petro-dollar-Curse-Why-West-Africa-Fears-Becoming-a-New-Venezuela


في صخب الأسواق المتآكلة، وتحت وطأة التضخم الذي يلتهم مدخرات المواطنين، تتصاعد نبرة القلق في أروقة العواصم الغرب أفريقية. القلق لا يقتصر على التحديات الراهنة، بل يتجاوزها إلى هاجس مخيف يتردد صداه في تحليلات الخبراء: «سيناريو فنزويلا». هذا الهاجس ليس مجرد تشبيه عابر؛ إنه إنذار مبكر يربط بين المسار السياسي والاقتصادي لبلدان غنية بالموارد الطبيعية، لكنها تعاني من ضعف مؤسسي مزمن. فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، تحولت خلال عقدين من الزمن إلى دولة فاشلة، تعاني من انهيار اقتصادي غير مسبوق، وتضخم جامح، ونزوح جماعي لمواطنيها. السؤال الذي يطرح نفسه بحدة في أبيدجان وأكرا ونيامي هو: هل تسير دول غرب أفريقيا، بمواردها الضخمة وقادتها الجدد، في الاتجاه نفسه؟

إن الرعب من «سيناريو فنزويلا» يرتكز على تشابه البنى الاقتصادية والسياسية. فغرب أفريقيا، لا سيما نيجيريا (العملاق النفطي) ودول الساحل الغني بالذهب واليورانيوم (مالي والنيجر وبوركينا فاسو)، تعتمد بشكل كبير على إيرادات الموارد الطبيعية. هذا الاعتماد يخلق ما يعرف بـ «لعنة الموارد»، حيث تصبح الدولة رهينة لتقلبات أسعار السلع العالمية، وتتراخى جهودها في تنويع الاقتصاد. في فنزويلا، سمحت إيرادات النفط الضخمة لحكومة هوغو شافيز بتمويل برامج شعبوية مكلفة، مما أدى إلى تضخيم القطاع العام وإهمال القطاعات الإنتاجية الأخرى. عندما انخفضت أسعار النفط، لم تجد الحكومة مصادر دخل بديلة، فانهار الاقتصاد. في غرب أفريقيا، نشهد ظواهر مماثلة: إنفاق حكومي متهور، فساد مستشرٍ في قطاعات استخراج الموارد، وفشل في بناء مؤسسات قوية. ففي نيجيريا، على سبيل المثال، يمثل النفط أكثر من 90% من إيرادات التصدير، مما يجعلها عرضة لأي صدمة سعرية، تمامًا كما كانت فنزويلا قبل عقدين من الزمان. إن هذه الهشاشة الاقتصادية هي تربة خصبة للانفجار الاجتماعي والسياسي، الذي يُمهد الطريق لسيناريو فنزويلا.

أما على الصعيد السياسي، فإن التشابه في النماذج القيادية يثير القلق. فنزويلا شهدت صعودًا لنظام يساري شعبوي (الشافيزية) استغل السخط الشعبي على النخب القديمة، ووعد بتوزيع الثروة بشكل عادل. ولكنه سرعان ما تحول إلى نظام شمولي، يقوض المؤسسات الديمقراطية، ويكمم الأفواه، ويحكم سيطرته على القضاء والجيش. في غرب أفريقيا، نرى ظاهرة متكررة للانقلابات العسكرية (في مالي وبوركينا فاسو والنيجر) التي ترفع شعارات مماثلة: مكافحة الفساد، واستعادة السيادة، وتحسين الأوضاع الأمنية. هذه الأنظمة العسكرية الجديدة، مدفوعة بروح قومية متطرفة، تستمد شعبيتها من رفضها للقوى الاستعمارية السابقة (خاصة فرنسا) وتتبنى خطابًا يذكرنا بالخطاب المناهض للإمبريالية الذي استخدمه شافيز. المشكلة تكمن في أن هذه الأنظمة، بمجرد وصولها إلى السلطة، تميل إلى تصفية الحسابات السياسية، وإلغاء القيود الدستورية، والسيطرة على مقدرات الدولة، تمامًا كما حدث في فنزويلا. إن غياب المساءلة المؤسسية وتركيز السلطة في يد فرد واحد أو مجموعة عسكرية صغيرة هما جوهر المشكلة.

يُضاف إلى ذلك عامل التنافس الجيوسياسي الذي يزيد من تعقيد الوضع. فنزويلا استغلت التنافس بين القوى العظمى (روسيا والصين ضد الولايات المتحدة) لتعزيز شرعيتها والحصول على الدعم الاقتصادي والعسكري. وقد أدى هذا التنافس إلى تعميق الاستقطاب الداخلي وإضعاف قدرة المجتمع الدولي على التدخل الفعال. في غرب أفريقيا، نلاحظ ديناميكية مشابهة تمامًا. فدول الساحل التي شهدت انقلابات عسكرية تحالفت مع روسيا (مجموعة فاغنر تحديدًا) لسد الفجوة الأمنية التي خلفتها القوات الفرنسية المنسحبة. هذا التحول الجيوسياسي يمنح الأنظمة العسكرية الجديدة غطاءً سياسيًا يحميها من الضغوط الغربية، ويسمح لها بمواصلة سياساتها الداخلية دون قلق من العقوبات الفعالة. لكنه، في الوقت نفسه، يجعل المنطقة ساحة صراع للقوى الكبرى، مما يشتت الموارد ويزيد من احتمالية العنف الداخلي. السيناريو الأكثر خطورة هو أن تتحول هذه الدول إلى «دويلات مرتزقة»، تتاجر بمواردها مقابل الحماية العسكرية الخارجية، وتتجاهل احتياجات مواطنيها، مما يؤدي إلى انهيار شامل للدولة.

إن تجنب «سيناريو فنزويلا» في غرب أفريقيا يتطلب يقظة، ليس فقط من القوى الإقليمية، ولكن أيضًا من الشعوب نفسها. الحل لا يكمن في إيرادات الموارد، بل في الحوكمة الرشيدة والمؤسسات القوية. يجب على هذه الدول أن تتعلم درس فنزويلا: أن الثروة وحدها لا تضمن الاستقرار، بل قد تكون سببًا في الانهيار إذا لم تُدار بشفافية ومساءلة. يتطلب الأمر تنويعًا حقيقيًا للاقتصادات، والاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية، بدلًا من الاعتماد على توزيع الريع. كما يجب على المنظمات الإقليمية مثل «إيكواس» أن تستعيد قدرتها على فرض الضغط الديمقراطي على الأنظمة العسكرية، وتمنع انزلاق المنطقة نحو الاستقطاب الحاد. إن مستقبل غرب أفريقيا لا يعتمد على من يسيطر على منابع النفط والذهب، بل على قدرة القادة على صياغة رؤية طويلة الأمد، تتجاوز المكاسب السياسية قصيرة المدى، وتؤسس لدول قوية ومستدامة، تخدم شعوبها بدلًا من أن تخدم مصالحها الضيقة، وتتجنب مصير فنزويلا الذي يتربص بها.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url