صراع الكراسي والمقاهي: حينما يتهرب 'المجلس' من احتكار الجماهيرThe-Struggle-of-Chairs-and-Cafes-When-the-Council-Evades-Public-Monopoly
شهدت شوارع المدن المغربية، خلال بطولة كأس إفريقيا للأمم الأخيرة، حالة استنفار جماهيري غير مسبوقة. كانت المقاهي هي الساحة الرئيسية لهذا الاحتفال، حيث تتحول المقاعد البسيطة إلى مدرجات صاخبة تضج بالهتافات والأعلام. لكن خلف هذا المشهد المبهج، كانت هناك معركة صامتة تدور بين جيوب المستهلكين وأصحاب المقاهي. فمع كل صافرة بداية لمباراة المنتخب الوطني، ترتفع الأسعار بشكل جنوني، متحولة من مجرد زيادة موسمية إلى استغلال واضح لفرصة الاحتفال. هذه الزيادة، التي أثارت سخطاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، وضعت مجلس المنافسة في الواجهة، ليجد نفسه مطالباً بالتدخل لوضع حد لما اعتبره الكثيرون احتكاراً موسمياً. لكن الرد الرسمي جاء ليصدم الجميع: مجلس المنافسة يعلن بوضوح أن هذه الزيادات لا تدخل ضمن اختصاصاته المباشرة، ويحيل المسؤولية إلى جهات حكومية أخرى. هذا الموقف أثار تساؤلات أعمق حول الدور الحقيقي لمؤسسات حماية المستهلك في الأوقات الاستثنائية، وعن حدود المسؤولية بين حرية السوق وحماية المواطن من الاستغلال.
إن إعلان مجلس المنافسة عن عدم اختصاصه في متابعة الزيادات اليومية لأسعار المقاهي، وإن كان صحيحاً من الناحية القانونية الصرفة، إلا أنه يعكس إشكالية أعمق في المنظومة الرقابية. فالمجلس، بموجب صلاحياته المحددة، يركز بشكل أساسي على محاربة الاحتكار المنظم والكارتيلات الكبرى التي تضر بالمنافسة على المدى الطويل. مهمته تنصب على ضمان سلامة الهياكل التنافسية للأسواق، وليس التدخل المباشر في تحديد أسعار السلع الفردية أو مراقبة التغيرات السعرية اليومية. هذا الدور، كما أوضح المصدر، يقع ضمن صلاحيات وزارة المالية ووزارة الداخلية اللتين تضطلعان بمهمة المراقبة اليومية للأسعار وضبط المخالفات في الفواتير. لكن هذا التحديد الدقيق للاختصاصات يخلق فجوة رقابية. ففي حين أن الزيادة الموسمية في أسعار المقاهي لا ترقى بالضرورة إلى مستوى الاحتكار (وفق التعريف القانوني للمجلس)، إلا أنها تمثل استغلالاً جماعياً لظرف معين، يستفيد منه أصحاب المقاهي على حساب المستهلكين. غياب جهة واضحة تستجيب لشكاوى المستهلكين الفورية خلال هذه الأحداث يخلق إحساساً عاماً بالإفلات من العقاب، ويجعل المستهلك يشعر بأنه ضحية لـ"احتفالية" جماعية لا يستطيع مقاومتها.
المشكلة الأساسية التي كشفها هذا الموقف تكمن في الخلط بين مفهوم "المنافسة الحرة" و"الاستغلال الظرفي". فمن وجهة نظر اقتصاد السوق، فإن زيادة الطلب على خدمة معينة (مشاهدة مباراة في المقهى) تؤدي بشكل طبيعي إلى ارتفاع سعرها. هذا ما يطلق عليه قانون العرض والطلب. لكن في حالة المقاهي، يصبح الأمر أكثر تعقيداً. فالمستهلك الذي يرتاد المقهى لمشاهدة مباراة وطنية ليس لديه خيارات كثيرة؛ فإما أن يدفع السعر المرتفع أو يحرم نفسه من التجربة الجماعية. هذا الوضع يسمى "الطلب غير المرن"، حيث يصبح المستهلك مستعداً لدفع أي ثمن مقابل الخدمة الضرورية في تلك اللحظة. هنا ينهار مبدأ المنافسة العادلة. فبدلاً من أن تتنافس المقاهي على تقديم أفضل خدمة بأفضل سعر، تتنافس على رفع الأسعار لأقصى حد ممكن، مستغلين حالة الاندفاع الجماعي. ورغم أن الزيادة قد تكون فردية من كل مقهى، إلا أن التزامن في رفع الأسعار بين أغلب المقاهي خلال نفس الحدث يعطي انطباعاً بـ"التواطؤ الضمني"، حتى لو لم يتم إثباته قانونياً. هذا السلوك يشوه مبدأ المنافسة ويهدد حقوق المستهلك الذي يجد نفسه مضطراً للرضوخ للأمر الواقع.
لا يمكن فصل هذا النقاش عن الدور الأوسع لهيئات حماية المستهلك في البيئات الاستهلاكية المتغيرة. ففي الوقت الذي تتطور فيه أساليب الاستغلال لتصبح أكثر دقة وتستغل الظروف الآنية، تبدو الأطر القانونية القائمة جامدة وغير قادرة على مواكبة هذه التحديات. على سبيل المثال، في العديد من الدول المتقدمة، يتم التعامل مع الزيادات السعرية المفرطة خلال حالات الطوارئ أو الأزمات (مثل الكوارث الطبيعية) بصرامة، وتعتبر شكلاً من أشكال الاستغلال التجاري الذي يستدعي التدخل. ورغم أن مباراة كرة قدم لا ترقى إلى مستوى الكارثة، إلا أنها تمثل حالة "طلب استثنائي" يتطلب نوعاً من الرقابة الموجهة. إذا كان مجلس المنافسة يرى أن هذه الزيادات لا تدخل ضمن اختصاصه لعدم وجود اتفاق احتكاري رسمي، فهذا يؤكد الحاجة إلى جهة أخرى لملء هذا الفراغ. إن غياب التنسيق بين الجهات الرقابية يجعل المستهلك هو الحلقة الأضعف، ويؤدي إلى تآكل الثقة في المنظومة الرقابية بأكملها. فالأمر لا يتعلق بضرورة تثبيت سعر المشروب، بل بوضع آليات واضحة تضمن ألا تتجاوز الزيادة السعرية الحد المعقول، وأن تكون شفافة ومبررة، لا أن تكون استغلالاً مكشوفاً لمشاعر الجماهير.
في الختام، يكشف تصريح مجلس المنافسة عن معضلة مزدوجة: فمن جهة، هناك إصرار على تطبيق القانون بحذافيره، ومن جهة أخرى، هناك تجاهل للجانب الاجتماعي والأخلاقي لحماية المستهلك. إن تحديد المسؤوليات بين الهيئات الحكومية المختلفة أمر ضروري، لكن الأهم هو التأكد من أن جميع جوانب حماية المستهلك مغطاة بشكل فعال. إن الاحتفال الوطني بكرة القدم لا ينبغي أن يتحول إلى كابوس مالي للمواطنين. إنها فرصة لإعادة النظر في القوانين المنظمة لعمليات الرقابة على الأسعار، خاصة في الأوقات التي يرتفع فيها الطلب بشكل استثنائي. ربما يجب على الجهات الرقابية، بما فيها مجلس المنافسة، وضع خطط استباقية بالتنسيق مع جمعيات حماية المستهلك، لتنظيم هذه الفترات الحساسة وضمان عدم تحول الفرحة الجماعية إلى غلاء يعمّر طويلاً. إن حماية المستهلك لا تقتصر على محاربة الاحتكار الكبير، بل تشمل أيضاً حماية المواطن من الاستغلال الصغير المتكرر الذي ينخر في ثقته بالعدالة الاقتصادية.