معركة المليارات المشبوهة: حين تواجه المفتشية شبح التلاعبات في الصفقات العمومية
في خضم مسيرة التنمية التي يطمح إليها المغرب، يظل ملف الصفقات العمومية بمثابة الشريان الحيوي الذي يغذي المشاريع الكبرى ويحدد وجهة الاستثمارات الحكومية. لكن، عندما تتسرب أنباء عن تحقيقات معمقة تشمل مؤسسات عمومية كبرى، وتتركز الشبهات حول صفقات بقيمة ملايير الدراهم، فإن هذا الأمر لا يثير القلق فحسب، بل يضع مصداقية منظومة الحكامة برمتها على المحك. الخبر الأخير الذي يفيد بإخضاع المفتشية العامة للمالية لملفات صفقات أبرمتها 13 مؤسسة ومقاولة عمومية للتدقيق، يكشف عن مدى عمق الشبهات التي تحوم حول تسيير المال العام. لا يتعلق الأمر هنا بمجرد أخطاء إجرائية، بل بشبهات تلاعب ممنهج وتشطير للنفقات، وتفصيل لدفاتر التحملات على مقاس شركات بعينها. هذه الممارسات، إن ثبتت، تمثل عائقًا حقيقيًا أمام تحقيق مبادئ الشفافية والنزاهة التي تعتبر ركائز أساسية لأي اقتصاد يسعى إلى النمو العادل والمستدام. إنها لحظة حاسمة لإثبات أن الرقابة المالية في المغرب قادرة على مواجهة الفساد بكل أشكاله، حتى عندما يتعلق الأمر بالمؤسسات التي تدير ميزانيات ضخمة وحيوية.
إن الأساليب المذكورة في التقارير، مثل «تشطير النفقات» و«تفصيل طلبات العروض على مقاس شركات محظوظة»، ليست مجرد مصطلحات تقنية في عالم الصفقات العمومية، بل هي جوهر التلاعب الممنهج الذي يقوض المنافسة الشريفة. عملية تشطير النفقات تعني تقسيم صفقة كبيرة إلى عدة صفقات صغيرة بشكل متعمد، وذلك لتجنب العتبات المالية التي تفرض إطلاق طلبات عروض كبرى تخضع لمزيد من التدقيق والرقابة. بهذه الطريقة، يمكن للمسؤولين تمرير الصفقات عبر سندات طلب مباشرة أو إجراءات مبسطة، بعيدًا عن أعين الرقابة العليا. أما تفصيل طلبات العروض، فهو يمثل مستوى أكثر تعقيدًا من التلاعب؛ حيث يتم صياغة المواصفات التقنية والشروط الإدارية لدفتر التحملات بطريقة لا تتناسب إلا مع شركة واحدة بعينها لديها علاقات وثيقة مع صانعي القرار. هذه الممارسات لا تضيع أموال دافعي الضرائب فحسب، بل تكرس مبدأ المحسوبية والريع على حساب الكفاءة والجودة. ففي النهاية، يحصل القطاع العام على خدمات ومنتجات ذات جودة متدنية وبأسعار مبالغ فيها، بينما يتم إقصاء الشركات الصغيرة والمتوسطة الملتزمة بالقانون، مما يقتل روح المبادرة ويثبط الاستثمار النزيه.
يجب النظر إلى هذه التحقيقات في سياقها الأوسع كجزء من معركة وطنية مستمرة ضد الفساد الاقتصادي. إن تداعيات هذه التلاعبات لا تقتصر على خسارة مالية مباشرة، بل تمتد لتؤثر على الأداء العام للاقتصاد المغربي. عندما يتم منح الصفقات بناءً على الولاءات بدلاً من الكفاءة، فإن هذا يؤدي إلى إضعاف جودة البنية التحتية والخدمات العامة، وزيادة تكلفة المشاريع، مما يضر بالقدرة التنافسية للبلاد. كما أن شيوع مثل هذه الممارسات يبعث برسالة سلبية للمستثمرين الأجانب، الذين يفضلون البيئات الاقتصادية التي تتمتع بالشفافية والعدالة في المنافسة. إن النموذج التنموي الجديد، الذي يدعو إلى حكامة رشيدة وفعالة، لا يمكن أن يتحقق على أرض الواقع إذا ظلت ممارسات الريع والتلاعب هي السائدة في مفاصل المؤسسات العمومية. إن هذه التحقيقات تمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام الدولة بتطهير الإدارة من آفات الفساد، وتوفير بيئة أعمال صحية تقوم على مبادئ الجدارة والاستحقاق، لا على العلاقات الشخصية أو المصالح الضيقة.
إن الدور الذي تقوم به المفتشية العامة للمالية في هذه المرحلة، إلى جانب المجلس الأعلى للحسابات، يعد مفصليًا لتعزيز الثقة في المؤسسات. يجب أن تتجاوز هذه الهيئات دورها التقليدي في التدقيق المالي الروتيني، لتصبح قوة رادعة حقيقية ضد الفساد. التحدي الذي يواجه هذه الأجهزة الرقابية ليس فقط اكتشاف المخالفات، بل ضمان المتابعة القضائية الفعالة والشفافة للمتورطين. غالبًا ما تظهر تقارير الرقابة مخالفات جسيمة، ولكن عملية المحاسبة الفعلية قد تتعثر أو تتباطأ، مما يقلل من تأثير هذه التقارير ويشجع على تكرار المخالفات. لذلك، فإن نجاح هذه التحقيقات يعتمد بشكل كبير على مدى استقلالية المفتشية وحرية عملها، ودعمها بالموارد البشرية والتقنية اللازمة لمواجهة الأساليب المتطورة للتلاعب. كما يجب التأكيد على أهمية التنسيق بين مختلف الهيئات الرقابية والقضائية، لضمان أن النتائج لا تظل حبيسة الأوراق، بل تتحول إلى إجراءات رادعة تقضي على ثقافة الإفلات من العقاب.
في الختام، لا يمكن النظر إلى التحقيقات الجارية في صفقات المؤسسات العمومية الـ 13 على أنها مجرد حادث عابر، بل هي مؤشر على ضرورة إحداث إصلاح هيكلي عميق في منظومة الصفقات العمومية. يجب أن يتجاوز الإصلاح مجرد مراجعة النصوص القانونية، ليصل إلى تغيير الثقافة الإدارية السائدة. هذا يتطلب تعزيز الرقمنة والشفافية في كل مراحل إبرام الصفقات، من إعداد دفاتر التحملات إلى مرحلة التنفيذ والمتابعة. كما يجب على المجتمع المدني ووسائل الإعلام القيام بدورهم في المتابعة والمساءلة، لأن الشفافية لا تتحقق إلا بوجود رقابة مجتمعية فعالة. إن نجاح هذه التحقيقات في الكشف عن الحقائق ومحاسبة المسؤولين سيعزز ثقة المواطنين في مؤسساتهم، ويؤكد أن الدولة جادة في محاربة الفساد. إنها فرصة تاريخية لإعادة بناء جسور الثقة المفقودة، وتأكيد أن لا أحد فوق القانون، وأن المال العام هو أمانة يجب الحفاظ عليها، بعيدًا عن أي شكل من أشكال التلاعب أو الاستغلال.