الخيار الأخير في لوساكا: لماذا قد تفشل قمة زامبيا في تحقيق السلام الدائم بالكونغوTheLastOption-inLusaka-WhyZambiaSummit-MightFail-AchievingLastingPeace-inCongo
وسط تصاعد مروّع لأعمال العنف في شرق الكونغو الديمقراطية، تتجه الأنظار نحو العاصمة الزامبية لوساكا، حيث تُعقد قمة عاجلة لمعالجة الأزمة المتفاقمة. هذا الاجتماع، الذي يأتي في سياق يائس، يمثل محاولة جديدة لإحياء فرص السلام التي تبدو وكأنها تتضاءل مع كل يوم يمر. على مدى عقود، تحولت المنطقة الشرقية من الكونغو إلى بؤرة للصراعات، تغذيها شبكة معقدة من المصالح الإقليمية، النزاعات العرقية، والسباق المحموم للسيطرة على الموارد الطبيعية. إن الوعود بوقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية تتردد في أروقة الدبلوماسية، لكن الواقع على الأرض يتحدث بلغة مختلفة تماماً: ملايين النازحين، انتشار المجاعة والأمراض، وتكرار مأساوي لدورات العنف التي لم تنجح الجهود الدولية والإقليمية السابقة في كسرها. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل يمتلك اجتماع زامبيا الأدوات والإرادة السياسية اللازمة لتقديم حلول مستدامة، أم أنه مجرد فصل آخر في سلسلة طويلة من الاجتماعات التي فشلت في تغيير مصير المنطقة؟
التحليل الجيوسياسي للأزمة يكشف أن جذور الصراع لا تقتصر على النزاعات الداخلية، بل تتشابك بشكل وثيق مع التدخلات الإقليمية. إن شرق الكونغو يمثل ساحة صراع بالوكالة، حيث تتهم حكومة كينشاسا جارتها رواندا بدعم حركة M23 المسلحة، وهي اتهامات ترفضها كيغالي بشدة. هذه الدينامية بين الدول المجاورة ليست جديدة، بل هي امتداد للتوترات التاريخية التي نشأت في أعقاب الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، حيث تتخذ الميليشيات المختلفة من الحدود الكونغولية ملاذاً، ويشكل استغلال الموارد الطبيعية شريان الحياة الاقتصادي لهذه المجموعات. إن ثروات المنطقة الهائلة من الكولتان والكوبالت والذهب، التي لا تزال تُهرَّب عبر الحدود بانتظام، تخدم مصالح دولية وإقليمية على حساب السكان المحليين. طالما بقيت هذه الموارد هي المحرك الأساسي للعنف، وطالما لم يتم معالجة قضايا الأمن الحدودي بشكل شامل، فإن أي اتفاق سلام، مهما كان جيد النوايا، سيظل هشاً ومؤقتاً.
في سياق المحاولات الإقليمية السابقة، ينبغي النظر إلى اجتماع زامبيا بعين الريبة التاريخية. لقد شهدت المنطقة مبادرات متعددة للسلام، أبرزها عملية نيروبي التي قادتها المجموعة الاقتصادية لدول شرق إفريقيا (EAC)، والتي تضمنت نشر قوات لحفظ السلام. ومع ذلك، لم تفلح هذه القوات في فرض الاستقرار، بل تعرضت لانتقادات واسعة بسبب فشلها في حماية المدنيين وانسحابها اللاحق. تتجه الكونغو الآن نحو مقاربة جديدة عبر تعزيز التعاون الأمني مع مجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية (SADC)، مما يعكس تفككاً في الإجماع الإقليمي وتنافساً بين المبادرات المختلفة. هذا التعدد في المبادرات، مع غياب الرؤية الموحدة وتضارب المصالح بين الدول المشاركة، يجعل عملية السلام تبدو كساحة معركة دبلوماسية بدلاً من أن تكون منصة للحل. إن أي حل مستدام يتطلب ليس فقط وقف إطلاق النار، بل أيضاً نزع سلاح الميليشيات، معالجة جذور انعدام الثقة بين المجتمعات المحلية، وإعادة بناء الدولة الكونغولية في المناطق التي انهارت فيها سلطتها. هذا هو التحدي الأكبر الذي فشلت فيه جميع المبادرات السابقة.
على المستوى الإنساني، يعيش شرق الكونغو كارثة صامتة. ملايين الأشخاص أجبروا على النزوح من منازلهم، ويعيشون في ظروف مزرية دون مأوى أو رعاية طبية كافية. إن العنف المتصاعد أدى إلى تفاقم الأزمة الصحية، حيث تنتشر الأمراض الفتاكة، وتواجه وكالات الإغاثة صعوبات هائلة في الوصول إلى المحتاجين. إن ما يميز الأزمة في الكونغو هو صمت الإعلام الدولي النسبي تجاهها، مقارنة بالأزمات الأخرى التي تحظى بتغطية واسعة. هذا التجاهل الإعلامي يساهم في إضعاف الضغط الدولي على الأطراف المتصارعة، ويجعل من السهل على القوى الإقليمية مواصلة أجندتها دون مساءلة حقيقية. إن التركيز على «إمدادات إنسانية» في أجندة اجتماع زامبيا، على أهميته، يبدو وكأنه معالجة للأعراض دون علاج المرض. فالمساعدات الإنسانية لن توقف الرصاص، ولا يمكنها بناء السلام، بل هي مجرد استجابة للطوارئ الناتجة عن فشل سياسي أعمق.
في رأيي، فإن نجاح اجتماع زامبيا لا يعتمد فقط على الاتفاقات المبرمة، بل على مدى قدرته على تجاوز مقاربة «إدارة الأزمة» والتحول إلى مقاربة «حل جذري». يجب أن يقر الاجتماع بأن السلام الحقيقي في شرق الكونغو لن يتحقق إلا من خلال مقاربة متعددة الأوجه: أولاً، محاسبة الأطراف الإقليمية المتورطة في دعم الميليشيات. ثانياً، يجب أن تتم عملية نزع السلاح وإعادة الإدماج بشكل فعال، مدعومة بخطط تنموية اقتصادية تضمن للمقاتلين السابقين بديلاً مستداماً. ثالثاً، يجب أن يتم تعزيز سلطة الدولة الكونغولية في المناطق الحدودية، عبر بناء جيش وطني قوي ومحترف قادر على حماية المدنيين وفرض سيادة القانون. إن اجتماع زامبيا هو فرصة أخيرة لجمع الأطراف الفاعلة حول طاولة واحدة لتحديد خارطة طريق واضحة تتجاوز مجرد التهدئة المؤقتة. ومع ذلك، وبناءً على سجل التاريخ الحديث، فإن فرص النجاح تبدو ضئيلة ما لم تتغير القواعد الأساسية للعبة، ويتوقف اللاعبون الإقليميون عن النظر إلى الكونغو كمنطقة نفوذ بدلاً من دولة ذات سيادة.