Uvira: المدينة المنسية تحت نيران الصراع المتجدد في الكونغو
في بؤرة الصراع التي نادراً ما تحظى باهتمام إعلامي عالمي كافٍ، تتجدد فصول المأساة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. مدينة أوفيرا، التي تقع على ضفاف بحيرة تنجانيقا الخلابة، تحولت مرة أخرى إلى ساحة معركة دامية. إنها ليست مجرد اشتباكات عابرة؛ بل هي عودة عنيفة لمتمردي حركة 23 مارس (M23)، الذين يبدو أنهم مصممون على توسيع نفوذهم الاستراتيجي في منطقة كفيفة. إن الأنباء المتضاربة القادمة من المنطقة تتحدث عن حصيلة أولية لا تقل عن 15 قتيلاً، وهي أرقام يرجح المراقبون الميدانيون أنها مجرد بداية لحسابات دامية أوسع نطاقاً. ما يحدث في أوفيرا هو تذكير مؤلم بأن هذا الصراع ليس مجرد نزاع تاريخي بل أزمة حاضرة تتفاقم، مع تداعيات إنسانية وسياسية تمتد إلى ما هو أبعد من حدود المدينة المضطربة. إن المتمردين، بعد فترة من الهدوء النسبي الذي أعقب تدخلات إقليمية، عادوا لتحدي سلطة الحكومة الكونغولية، مستغلين الفراغ الأمني وعدم استقرار القوات الحكومية في المنطقة، مما يضع المدنيين في مرمى النيران المتبادلة في كل مرة.
إن فهم الديناميات المحيطة بمعارك أوفيرا يتطلب التعمق في الجذور المعقدة لمشكلة حركة M23. هذه الحركة ليست مجرد مجموعة مسلحة عشوائية؛ بل هي كيان له تاريخ عميق من المطالب السياسية، ونفوذ إقليمي واسع، ودعم خارجي مشتبه به. نشأت الحركة من اتفاقية سلام فاشلة وقعت في 23 مارس 2009، وتزعم أنها تمثل مصالح أقلية التوتسي الكونغولية في مواجهة ما تعتبره اضطهادًا من الحكومة المركزية. ومع ذلك، يرى العديد من المحللين، بمن فيهم أنا، أن دوافع M23 تتجاوز المطالب العرقية لتشمل السيطرة على الموارد الطبيعية الهائلة في شرق الكونغو، بما في ذلك المعادن الثمينة مثل الكولتان والكوبالت. إعادة ظهور M23 في السنوات الأخيرة، خاصة بعد عام 2021، أظهرت مستوى من التسليح والتنظيم يفوق بكثير قدرات معظم المجموعات المتمردة الأخرى في المنطقة. هذا التفوق العسكري يسمح لهم بالتقدم بسرعة والسيطرة على مناطق واسعة، مما يضع ضغوطاً هائلة على القوات المسلحة الكونغولية (FARDC) ويجعل المواجهة في أوفيرا مجرد فصل من فصول معركة أكبر للسيطرة على الأراضي.
بالنسبة لي، فإن الجانب الأكثر إيلاماً في هذه الأزمة هو التداعيات الإنسانية التي غالباً ما تُنسى خلف العناوين العسكرية. أوفيرا هي مدينة ذات أهمية لوجستية حيوية، وتضم الآلاف من السكان المحليين بالإضافة إلى اللاجئين والنازحين داخلياً الفارين من الصراعات في مناطق أخرى. عندما تندلع الاشتباكات العنيفة، يصبح المدنيون هم الضحايا الأوائل. تتوقف الحياة اليومية، وتتوقف الخدمات الأساسية، وتتعرض المجتمعات لخطر النزوح الجماعي مرة أخرى. إن الـ 15 قتيلاً الذين أعلن عنهم في هذه الجولة الأخيرة من القتال يمثلون نقطة في بحر المعاناة التي يعيشها سكان هذه المنطقة منذ عقود. يتمزق النسيج الاجتماعي للمجتمعات، وتصبح المستشفيات غارقة بالجرحى، ويفقد الأطفال فرصتهم في التعليم والأمان. هذه الاشتباكات ليست مجرد معارك على الخريطة؛ إنها ضربات قاضية على آمال الناس في العيش بسلام وكرامة في وطنهم. إن استمرار هذا النمط يغذي دورة العنف ويجعل من المستحيل بناء استقرار طويل الأجل في المنطقة.
إن المشهد الإقليمي المعقد المحيط بأوفيرا يسلط الضوء على فشل الجهود الدبلوماسية والعسكرية المتعددة. لقد حاولت القوى الإقليمية، مثل مجموعة شرق إفريقيا (EAC) والجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي (SADC)، التدخل بفرق حفظ سلام. لكن هذه التدخلات كثيراً ما كانت تواجه تحديات جمة. فمن جهة، هناك اتهامات متبادلة بين الكونغو الديمقراطية وجيرانها (خاصة رواندا)، حيث تتهم كينشاسا كيغالي بدعم M23، بينما تنفي رواندا ذلك وتتهم الكونغو بإيواء مجموعات متمردة معادية لرواندا. هذا الجمود الدبلوماسي يعيق أي حل سياسي شامل. ومن جهة أخرى، فإن فعالية قوات حفظ السلام الإقليمية موضع تساؤل. على سبيل المثال، تم انتقاد بعثة EACRF لعدم اتخاذها موقفاً هجومياً حاسماً ضد M23، مما أتاح للمتمردين الفرصة لإعادة تجميع صفوفهم. وبينما تستعد بعثة SADC لمزيد من التدخلات الهجومية، يبقى السؤال حول قدرتها على تحقيق نتائج مستدامة في بيئة نزاع معقدة للغاية، حيث تتقاطع المصالح المحلية والإقليمية بطريقة تجعل أي حل عسكري مؤقتًا في أحسن الأحوال.
في الختام، فإن الاشتباكات الأخيرة حول أوفيرا ليست مجرد خبر عاجل يمر مرور الكرام؛ إنها بمثابة نذير شؤم ينذر بتصعيد أوسع في صراع الكونغو المتأزم. وجهة نظري هي أن الحل الدائم لا يمكن أن يكون عسكرياً بحتاً. لقد أثبتت العقود الماضية أن القوة وحدها لا تنهي الصراعات في شرق الكونغو. إن ما نحتاجه هو مقاربة شاملة تعالج الجذور العميقة للأزمة: الحوكمة الرشيدة، وتقاسم الموارد الطبيعية بشفافية، والمصالحة العرقية الحقيقية بين المجتمعات المختلفة. يجب على المجتمع الدولي أن يضغط بقوة أكبر على جميع الأطراف، بما في ذلك الدول الإقليمية، لوقف أي دعم للميليشيات المسلحة والالتزام بمسار دبلوماسي شامل. إن الاستمرار في تجاهل هذه الأزمة يعني الحكم على ملايين الأبرياء بمزيد من المعاناة، وتضييع فرصة بناء السلام في منطقة غنية بالموارد الطبيعية ولكنها فقيرة بالاستقرار. أوفيرا هي صرخة استغاثة يجب ألا تضيع في ضجيج الأخبار العالمية.