دوامة العنف في نيجيريا: ما وراء مقتل 17 شخصاً في بينوNigeria-Violence-Spiral-Beyond-17-Killings-in-Benue
لقد أصبح المشهد مألوفاً بشكل مؤلم: عناوين الأخبار تصرخ عن هجوم مسلح، عدد قتلى يرتفع، وقرية أخرى في نيجيريا تدفع ثمن الفشل الجماعي. عندما تصل أنباء مقتل 17 شخصاً في ولاية بينو، فإنها لا تُعتبر صدمة بقدر ما هي تأكيد مؤسف لدورة العنف التي ابتُلي بها وسط نيجيريا. هذه الأحداث، التي تتكرر باستمرار، تحولت من مجرد حوادث منفردة إلى نظام شبه مستقر من الفوضى. إن بينو، التي تُعرف باسم «سلة خبز» نيجيريا نظراً لخصوبة أراضيها الزراعية، تشهد تناقضاً مأساوياً: ففي الوقت الذي يُفترض أن تكون فيه مركزاً للغذاء والحياة، أصبحت مسرحاً للقتل والتشريد. الضحايا، وهم عادة من المزارعين الأبرياء، يُستهدفون في هجمات وحشية غالباً ما تُرتكب بدافع الرغبة في السيطرة على الأراضي أو الانتقام. هذه الهجمات ليست مجرد جرائم عادية، بل هي مؤشرات على أزمة عميقة في الأمن القومي، حيث يتم استغلال هشاشة المجتمعات المحلية وغياب القانون لتنفيذ عمليات قتل جماعي دون رادع. إن الشعور باليأس والإفلات من العقاب يترسخ في المنطقة، مما يزيد من صعوبة العثور على حلول مستدامة لهذه المذبحة.
لكي نفهم هذه المأساة، يجب أن ننظر إلى السياق الأوسع للصراع بين الرعاة والمزارعين، وهو صراع تجاوز بكثير الخلافات التقليدية على مراعي الماشية. كانت ولاية بينو في طليعة هذا الصراع لسنوات، حيث تتعارض مصالح المزارعين المستقرين مع الرعاة الرحل. في الماضي، كانت النزاعات تُحل عادةً عبر آليات مجتمعية، لكن تغير المناخ والنمو السكاني والانتشار السريع للأسلحة النارية حولها إلى نزاعات دموية. يؤدي الجفاف وتصحر الأراضي في الشمال إلى دفع الرعاة إلى الجنوب بحثاً عن مراعٍ أفضل، مما يزيد الضغط على الأراضي الزراعية في بينو. هذا الضغط، بالإضافة إلى الفشل الحكومي في تطبيق قوانين الرعي أو وضع حلول بديلة مثل المزارع المنظمة (الرينشات)، خلق فراغاً استغله الخارجون عن القانون. فقد تحول الرعاة من حاملي العصي التقليديين إلى جماعات مسلحة تهاجم القرى بوحشية، وتستجيب الجماعات المحلية المسلحة بالمثل، مما يغذي حلقة مفرغة من الانتقام المتبادل. إن مقتل 17 شخصاً في هجوم واحد هو مجرد رقم جديد في هذا السجل المأساوي الذي لا يتوقف، والذي يهدد بزعزعة استقرار المنطقة بأكملها.
لا يمكن فصل الهجوم الأخير عن ظاهرة "السطو المسلح" (Banditry) التي تجتاح نيجيريا الوسطى والشمالية الغربية. ففي حين أن الصراع بين الرعاة والمزارعين يوفر الخلفية التاريخية، فإن هذه الهجمات الأخيرة تتخذ شكل عمليات إجرامية منظمة تستهدف القرى لعدة أسباب، منها السرقة، أو الاستيلاء على الأراضي، أو الانتقام. هذه الجماعات المسلحة تستغل غياب قوات الأمن الحكومية الفعالة، وغالباً ما تتخذ شكل تحالفات تتجاوز الانتماءات العرقية لتعمل كقوات مسلحة للربح المادي. إن الإفلات المستمر من العقاب هو ما يشجع على تكرار هذه الهجمات. فبدلاً من رؤية وجود قوي للجيش أو الشرطة، يرى السكان المحليون استجابات بطيئة وغير كافية. عندما يتم القبض على الجناة، نادراً ما يتم تقديمهم للعدالة، مما يعزز فكرة أن العنف هو الطريق الوحيد لتحقيق المكاسب. أدى هذا الفراغ الأمني إلى ظهور ميليشيات محلية تدافع عن مجتمعاتها، لكن هذه الميليشيات غالباً ما ترتكب انتهاكات خاصة بها، مما يزيد من تعقيد الوضع ويصعب على السلطات الفيدرالية التدخل بشكل محايد. النتيجة هي بيئة قانون الغاب، حيث تُترك المجتمعات الضعيفة تحت رحمة الجماعات المسلحة التي تزرع الخوف والرعب.
إن التكلفة البشرية والاقتصادية لهذه الهجمات تتجاوز بكثير الضحايا المباشرين. فالهجمات المتكررة على القرى الزراعية تؤدي إلى نزوح جماعي. الآلاف من السكان المحليين يفرون من منازلهم خوفاً من الهجمات، ليصبحوا نازحين داخلياً يعيشون في ظروف مزرية في مخيمات مؤقتة تفتقر إلى أبسط الخدمات الأساسية. هذا النزوح لا يؤثر فقط على حياة هؤلاء الأفراد، بل يهدد الأمن الغذائي لنيجيريا بأكملها. عندما يُقتل المزارعون أو يُجبرون على ترك أراضيهم، فإن حقولهم تبقى غير مزروعة، مما يؤدي إلى انخفاض حاد في الإنتاج الزراعي. وبما أن بينو هي مصدر رئيسي للغذاء، فإن تراجع إنتاجها يساهم بشكل مباشر في ارتفاع أسعار المواد الغذائية على المستوى الوطني، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية على الأسر النيجيرية. علاوة على ذلك، فإن الضرر النفسي على الناجين هائل، حيث يعيش الأطفال في خوف دائم، وتتآكل الثقة بين المجتمعات المحلية، مما يجعل المصالحة المستقبلية أمراً شبه مستحيل. تصبح المجتمعات أسيرة للخوف واليأس، وهو ما يؤثر على كل جانب من جوانب حياتهم، بدءاً من التعليم وحتى الرعاية الصحية.
في الختام، فإن مقتل 17 شخصاً في بينو ليس مجرد خبر عابر، بل هو دعوة للاستيقاظ تؤكد الحاجة الملحة إلى تغيير جذري في استراتيجيات الأمن والحكم في نيجيريا. إن الحلول الأمنية وحدها، مثل نشر المزيد من الجنود، لن تكون كافية طالما لم يتم معالجة الأسباب الجذرية للصراع. يجب أن تتضمن الاستراتيجية حلولاً شاملة تشمل الاستجابة لتغير المناخ الذي يدفع الرعاة جنوباً، وتطوير البنية التحتية للمراعي المستدامة (الرينشات) التي تقلل الاحتكاك مع المزارعين، وتطبيق القوانين بصرامة. الأهم من ذلك، يجب على الحكومة استعادة ثقة الشعب في قدرتها على توفير الأمن. هذا يتطلب تعزيز وجود الشرطة في المناطق الريفية، وتحقيق العدالة للضحايا من خلال ملاحقة الجناة بجدية، بغض النظر عن انتمائهم العرقي أو القبلي. إن الفشل في تحقيق العدالة هو الوقود الذي يغذي حلقة الانتقام. ما لم يتم اتخاذ خطوات حقيقية لمعالجة الأزمة من جذورها، ستظل قرى بينو وغيرها من المناطق في نيجيريا عرضة للهجمات المتكررة، وسيبقى عدد الضحايا في ارتفاع، وستستمر الدولة في الدوران في دوامة العنف التي لا نهاية لها.