زلزال إداري في ساحة التعليم: عندما يغادر المختصون مكاتبهم إلى ساحة النضالadministrative-earthquake-in-education-specialists-leave-offices-for-the-struggle-arena
تشهد العاصمة المغربية الرباط هذه الأيام مشهداً استثنائياً يتجاوز كونه مجرد وقفة احتجاجية عابرة، حيث اجتمع مختصو الاقتصاد والإدارة في المؤسسات التعليمية أمام أسوار وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محملين بآمال عريضة ومطالب لم تجد بعد طريقها إلى التجسيد الفعلي. إن هذا الحشد، الذي دعت إليه التنسيقات النقابية الخمس، يعكس حالة من الغليان الداخلي التي تجاوزت حدود المكاتب الإدارية لتنفجر في الفضاء العام، معلنةً عن مرحلة جديدة من المواجهة بين الأطر الإدارية والوزارة الوصية. هؤلاء المهنيون الذين يُعتبرون بمثابة "القلب النابض" و"المحرك الخفي" للمؤسسات التعليمية، قرروا التخلي عن لغة الأرقام والمساطر القانونية اليومية ليعبروا عن سخطهم تجاه ما يصفونه بسياسة التسويف والمماطلة التي تنهجها الجهات المسؤولة. لم يكن هذا الخيار وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمات لسنوات من الإحساس بالتهميش والنسيان في منظومة يراها البعض تركز فقط على الجانب البيداغوجي وتغفل العمود الفقري الذي يضمن استقرار التدبير المالي والمادي للمدارس والثانويات في ربوع المملكة.
إن قرار خوض إضراب وطني لمدة يومين، يرافقه شلل تام في المهام الإدارية داخل المؤسسات التعليمية، يمثل رسالة قوية تتجاوز حدود الاحتجاج التقليدي؛ فهي محاولة جادة لإظهار مدى أهمية هذه الفئة في السير العادي للمرفق التربوي. فبدون هؤلاء المختصين، تتعطل عجلات التدبير الميزانياتي، وتتأثر جودة الخدمات المقدمة للمتمدرسين، وتدخل العمليات الإدارية في نفق من الارتباك. النقابات التعليمية التي انخرطت في هذا البرنامج النضالي التصعيدي تدرك جيداً أن الوزارة راهنت طويلاً على "صبر" هذه الفئة، لكن بلوغ السيل الزبى دفع الجميع إلى التوحد تحت راية واحدة للمطالبة بإنصاف ملفهم المطلبي الذي لا يزال يراوح مكانه بين اللجان والمشاورات. التحليل العميق لهذه الخطوة يشير إلى أن الفجوة بين الخطاب الرسمي للوزارة، الذي يروج للإصلاح الشامل والمدرسة ذات الجودة، وبين الواقع المهني المأزوم للأطر، قد اتسعت إلى حد لم يعد ينفع معه الكلام المعسول أو الوعود التي لا تفي بآجال التنفيذ، مما جعل الميدان هو الفيصل الوحيد في استعادة الكرامة المهنية.
عند النظر في جوهر الملف المطلبي لمختصي الاقتصاد والإدارة، نجد أن الأمر لا يتعلق فقط بتحسينات مادية بسيطة، بل بوضع اعتباري وقانوني يضمن لهم المسار المهني العادل ويمنحهم مكانتهم المستحقة ضمن النظام الأساسي الجديد. إنهم يشتكون من "تماطل" مستفز في الاستجابة لمطالبهم، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول فلسفة تدبير الموارد البشرية داخل وزارة التربية الوطنية. من وجهة نظري الشخصية، أرى أن الوزارة تقع في فخ الخطأ الاستراتيجي عندما تهمل الجناح الإداري في مسيرتها التحديثية؛ فالإصلاح الذي لا يراعي توازن المهام وحقوق القائمين على تدبير المال العام داخل المؤسسات سيظل منقوصاً وغير قادر على الثبات. هؤلاء الموظفون هم الحراس الفعليون للموارد، واستنزاف طاقاتهم بالانتظار والوعود الفارغة يؤدي حتماً إلى تآكل الثقة المؤسساتية، وهي الثقة التي تعتبر رأسمالاً لا يقل أهمية عن الميزانيات المخصصة للتعليم، وبالتالي فإن تجاهل أصواتهم اليوم قد يؤدي إلى تصعيد أكبر قد لا تملك الوزارة أدوات احتواء تداعياته غداً.
بالغوص أكثر في التداعيات السوسيولوجية والمهنية لهذا الحراك، نلاحظ أن هناك وعياً جماعياً تشكل لدى هذه الفئة بضرورة "فرض" الملف المطلبي بدلاً من "استجدائه". إن المشهد في الرباط، تحت شمس العاصمة وبحضور وجوه من مختلف الأجيال المهنية، يؤكد أن الجيل الجديد من الإداريين يمتلك جرأة نضالية غير مسبوقة ترفض القبول بالأمر الواقع. وفي ظل خارطة الطريق 2022-2026 التي تتبناها الوزارة، يبدو من التناقض أن يتم السعي نحو "مدرسة الريادة" في وقت يعاني فيه مهندسو التدبير المالي والإداري من شعور بـ "التبعية" أو الدونية المهنية. التحليل الموضوعي يقتضي القول إن على الدولة أن تدرك أن استقرار الإدارة التربوية هو صمام أمان لاستقرار الموسم الدراسي برمته، وأن أي ارتباك في هذا الجناح سيؤدي حتماً إلى ارتباك في التحصيل الدراسي وفي العلاقة مع الشركاء الموردين والمؤسسات المحيطة، مما يجعل كلفة الحوار اليوم أقل بكثير من كلفة الإضرابات الممتدة في الزمان.
في الختام، تبقى الوقفة الاحتجاجية لمختصي الإدارة بالرباط صرخة مدوية في أذن صناع القرار التعليمي، تذكرهم بأن الإنسان هو جوهر كل إصلاح، وأن العدالة المهنية لا تتجزأ. لا يمكن بناء منظومة تعليمية صلبة على أساسات يشوبها الغبن وتجاهل الحقوق المشروعة، ولا بد للوزارة من الانتقال من مرحلة "إدارة الأزمات" بمسكنات مؤقتة إلى مرحلة "الحل الجذري" الذي يمني النفس بإنصاف شامل وعادل. إن الحل يكمن في فتح حوار حقيقي، ملموس، ومقيد بجدولة زمنية واضحة تنهي حالة الضبابية وتعيد لهؤلاء الموظفين اعتبارهم المعنوي قبل المادي. فالمستقبل التربوي للمغرب رهين بمدى قدرتنا على خلق مناخ من السكينة والرضا الوظيفي لدى كافة المتدخلين، وبدون ذلك، ستظل ساحات الرباط تشهد فصولاً متكررة من هذه الدراما النضالية التي تعيدنا دائماً إلى نقطة الصفر، في انتظار غدٍ يحترم العطاء ويقدر المسؤولية.