لغز اختفاء أسيمي غويتا: صمت القائد الذي يهدد استقرار ماليAssimi-Goita-Disappearance-Mystery-Leaders-Silence-Threatens-Mali-Stability

Assimi-Goita-Disappearance-Mystery-Leaders-Silence-Threatens-Mali-Stability


في خضم موجة جديدة من الهجمات التي تستهدف مالي، وفي توقيت دقيق وحرج، غاب القائد العسكري للبلاد، أسيمي غويتا، عن المشهد العام. إنها لحظة تُعتبر اختبارًا حقيقيًا لقوة أي دولة، فكيف الحال عندما تكون الدولة نفسها تحت حكم انقلاب عسكري، وتواجه تهديدات أمنية غير مسبوقة؟ اختفاء غويتا ليس مجرد خبر عابر في زاوية قصص القادة المفقودين، بل هو لغز سياسي وأمني يثير تساؤلات عميقة حول مصير مالي برمته. ففي سياق إقليمي مشتعل، حيث تتساقط الأنظمة العسكرية كأوراق الخريف في مناطق الساحل، يفرض صمت القائد حالة من القلق المشروع. الروايات تتضارب، بين من يقول إنها مجرد إجراءات أمنية مشددة بعد الهجمات الأخيرة، ومن يذهب أبعد من ذلك ليشكك في سلامته الشخصية، بينما يرى آخرون أنها لعبة سياسية تهدف لإخفاء صراع على السلطة يدور في الخفاء. إن الفراغ القيادي، حتى ولو كان مؤقتًا أو وهميًا، هو أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة تعتمد على شخص واحد في قيادتها.

لفهم أبعاد هذا الغياب، يجب أن نعود إلى جوهر حكم غويتا نفسه. إنه ليس رئيسًا منتخبًا ديمقراطيًا، بل هو قائد انقلاب عسكري جاء ليحل محل انقلاب عسكري آخر. هذا النوع من الحكم يعتمد بشكل كامل على قوة وسلطة الشخص القائد، ولا يوجد نظام مؤسسي مستدام يضمن استمرار الدولة في حالة غيابه. عندما يغيب غويتا، يغيب معه رمز السلطة، وتصبح المؤسسات الأمنية والسياسية عرضة للاهتزاز. إن مالي، التي تعاني من انقسامات عميقة بين النخب العسكرية والمدنية، لا يمكنها تحمل حالة من عدم اليقين القيادي. فهل غيابه نتيجة هجمات استهدفته مباشرة؟ أم أنه إخفاء متعمد لإدارة صراع داخلي على السلطة؟ إن الأنظمة العسكرية عادة ما تتسم بوجود صراعات خفية بين الجنرالات، وغياب القائد هو اللحظة المثالية لظهور هذه الصراعات إلى العلن. إن مجرد الشك في سلامة غويتا يهدد بفتح صندوق باندورا من التنافس الداخلي الذي قد يعيد مالي إلى نقطة الصفر، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أقصى درجات التماسك.

على المستوى الجيوسياسي، فإن اختفاء غويتا يثير قلقًا بالغًا لدى القوى الإقليمية والدولية. فمنذ توليه السلطة، أدار غويتا دفة السياسة الخارجية لمالي بشكل جذري، فحولها من حليف تقليدي لفرنسا والغرب إلى شريك أساسي لروسيا. وقد أدى هذا التحول إلى طرد القوات الفرنسية والاعتماد بشكل كبير على مرتزقة فاغنر الروسية لمكافحة الجماعات المتطرفة. إن غياب غويتا يضع مستقبل هذا التحالف الجديد على المحك. هل سيستمر التعاون مع روسيا في حال استبدال غويتا بقائد جديد قد يكون له توجهات مغايرة؟ وماذا عن تأثير ذلك على الصراع الإقليمي في منطقة الساحل؟ فمالي هي حجر الزاوية في استقرار المنطقة، وأي اضطراب فيها يمكن أن يمتد إلى دول الجوار مثل النيجر وبوركينا فاسو، وهما دولتان تعانيان أيضًا من عدم الاستقرار والصراعات الداخلية. إن هذا اللغز ليس شأنًا داخليًا لمالي فحسب، بل هو قضية جيوسياسية تثير قلق واشنطن وموسكو وباريس على حد سواء.

في ظل غياب المعلومات الرسمية، يزدهر سوق الشائعات والتكهنات. وهذا هو ما حدث بالضبط في حالة غويتا. فبينما تحاول الحكومة العسكرية تكميم الأفواه وفرض رقابة مشددة على الإعلام، تجتاح وسائل التواصل الاجتماعي موجات من الأخبار المتضاربة. فمنذ اللحظات الأولى لغياب غويتا، انتشرت صور مفبركة وأخبار كاذبة حول مصيره. وهذا السلوك يظهر مدى هشاشة الوضع، فبدلاً من تقديم بيان واضح يطمئن الرأي العام، لجأ النظام إلى الصمت، مما زاد من حالة الفوضى المعلوماتية. إن هذا الصمت يخدم أجندات مختلفة؛ فهو يخدم المعارضين الذين يسعون لزعزعة ثقة الجمهور بالنظام، كما يخدم الأطراف الخارجية التي لها مصلحة في تدهور الأوضاع في مالي. إن غياب الشفافية في مثل هذه الظروف هو تكتيك خطير يضر بالجميع، ويسهل على الجماعات الإرهابية استغلال الفراغ القيادي لشن المزيد من الهجمات، بينما يجد الجمهور نفسه بين مطرقة الشائعات وسندان الصمت الرسمي.

من وجهة نظري، فإن اختفاء غويتا هو مؤشر على فشل النظام العسكري في بناء دولة مستقرة. إنه يكشف عن عقم النموذج الذي يعتمد على القوة الفردية بدلاً من المؤسسات. إن مالي لا يمكنها أن تخرج من دائرة العنف والاضطراب إلا من خلال بناء دولة قوية ذات مؤسسات شفافة ومساءلة حقيقية. إن الصمت حول مصير غويتا ليس حلاً أمنيًا، بل هو مشكلة في حد ذاتها. إنه يغذي المخاوف من أن تكون مالي على شفا حرب أهلية جديدة، أو انقلاب مضاد. إن مستقبل مالي يتوقف على قدرتها على تجاوز هذه اللحظة الحرجة. إذا عاد غويتا، فسيتعين عليه إثبات أنه لا يزال يمتلك السيطرة الكاملة على زمام الأمور. وإذا ثبت غيابه، فستواجه البلاد تحديًا حقيقيًا لتحديد المسار الذي ستتبعه، وهل ستستمر في الاتجاه العسكري الروسي، أم ستبدأ في البحث عن طريق جديد نحو الديمقراطية. إن الغموض حول مصير غويتا هو لغز يجب حله، ليس فقط من أجل مالي، ولكن من أجل مستقبل منطقة الساحل بأكملها.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url