مأساة دوار الشوك: حينما تتحول القنوات المائية إلى فخاخ تخطف براءة الطفولة في أزيلالAzilal-DouarChouk-Tragedy-WaterCanals-FatalTraps-ChildhoodInnocence-Crisis
خيمت سحابة من الوجوم والحزن العميق على أرجاء جماعة بني عياط التابعة لإقليم أزيلال، بعد أن استيقظت المنطقة على خبر مفجع نزل كالصاعقة على قلوب الساكنة. إنها قصة طفل لم يتجاوز ربيعه الثالث عشر، غادر منزله في حي النهضة بدوار الشوك صباح يوم الأحد، حاملاً معه أحلاماً بسيطة وابتسامة طفولية، لكنه لم يعد. إن تحول البحث من الأمل في العثور عليه حياً إلى العثور على جثته داخل قناة مائية باردة، يمثل تراجيديا إنسانية تتكرر بمرارة في مغربنا العميق. هذا الخبر ليس مجرد رقم ينضاف إلى سجل الحوادث اليومية، بل هو صرخة في وجه الصمت، وتجسيد لمعاناة أسر تجد نفسها فجأة في مواجهة فقدان فلذات أكبادها في ظروف تثير الكثير من التساؤلات حول الأمان في محيطنا القروي وشبه القروي. إن المشهد في بني عياط اليوم لا يصفه إلا الدموع التي ذرفت على ضفاف تلك القناة المائية التي كان من المفترض أن تكون شرياناً للحياة والزراعة، فإذا بها تتحول إلى شاهد على نهاية مأساوية لطفل في مقتبل العمر.
لقد عاشت أسرة الفقيد وسكان دوار الشوك ساعات طوال من القلق والترقب المرير منذ لحظة اختفاء الطفل في ظروف غامضة. لم تتوقف نداءات البحث، ولم تهدأ محركات البحث الميداني والرقمي، حيث تجند الجميع في هبة تضامنية تعكس معدن الإنسان المغربي في الشدائد. ومع ذلك، فإن النهاية التي كشفت عنها خيوط صباح يوم الإثنين كانت أقسى مما تخيله أكثر المتشائمين. العثور على الجثة داخل القناة المائية يفتح باب التأويلات حول كيفية وصوله إلى هناك، وهل كان الأمر مجرد حادث غرق عرضي نتيجة اللعب أو محاولة للترويح عن النفس، أم أن هناك تفاصيل أخرى ستكشف عنها التحقيقات؟ إن اختفاء طفل لمدة تتجاوز الأربع وعشرين ساعة قبل العثور عليه جثة هامدة، يعكس حجم الفجوة في آليات المراقبة والحماية التي يجب أن تتوفر في المناطق المحاذية للمنشآت المائية الكبرى، ويضعنا أمام حقيقة مؤلمة وهي أن الخطر قد يكون أقرب إلينا مما نتصور، يتربص بأطفالنا في غفلة منا.
من وجهة نظري ككاتب ومحلل لهذه الحوادث المتكررة، أرى أن وجود قنوات مائية مكشوفة ومحاذية للتجمعات السكنية دون سياجات واقية أو علامات تحذيرية كافية، يعد تقصيراً لا يمكن السكوت عنه. إن هذه القنوات التي تخترق أقاليمنا، رغم أهميتها الاقتصادية في الري والفلاحة، إلا أنها تفتقر في كثير من النقاط إلى أدنى معايير السلامة العامة. الأطفال بطبيعتهم الفضولية وميلهم للاستكشاف، يرون في هذه المجاري المائية مكاناً للعب، خاصة في ظل غياب بدائل ترفيهية وملاعب سوسيو رياضية في مثل هذه المناطق المهمشة. إن التحليل السوسيولوجي لهذه الفاجعة يقودنا إلى القول بأن الفقر الترفيهي وغياب المساحات الآمنة للعب الأطفال في الدواوير والقرى هو المحرك الأساسي الذي يدفعهم نحو هذه المناطق الخطرة. لذا، فإن المسؤولية لا تقع فقط على عاتق الأسرة، بل تمتد لتشمل الجهات المسؤولة عن تدبير هذه المنشآت المائية والجماعات الترابية التي يجب أن تضع سلامة المواطن، وخاصة الطفل، فوق كل اعتبار تقني أو مالي.
علاوة على ذلك، فإن هذه الحادثة تسلط الضوء على ضرورة تحديث منظومة الإنذار والبحث عن المفقودين في المناطق القروية. إن استنفار الساكنة وجهودهم الذاتية، رغم نبلها، لا تكفي في مواجهة جغرافيا صعبة وتحديات لوجستية معقدة. نحن بحاجة إلى مقاربة استباقية تتضمن حملات توعية مكثفة تستهدف تلاميذ المدارس وأولياء الأمور حول مخاطر القنوات المائية والسدود التلية. كما أن الجانب الأمني والتحقيقي في مثل هذه القضايا يجب أن يكون حازماً وسريعاً لقطع الشك باليقين وتبديد أي مخاوف لدى الرأي العام حول ملابسات الاختفاء. إن رحيل طفل بني عياط يجب أن يكون نقطة تحول، لا مجرد خبر عابر يطويه النسيان بعد أيام. يجب أن نتساءل جميعاً: كم من روح يجب أن تزهق في هذه القنوات قبل أن نرى إجراءات ملموسة على أرض الواقع؟ إن الإهمال في تأمين هذه المنشآت هو في حد ذاته نوع من المشاركة في وقوع الجريمة، ليس بالمعنى الجنائي بالضرورة، ولكن بالمعنى الأخلاقي والإداري.
في الختام، لا يسعنا إلا أن نتقدم بأحر التعازي والمواساة لعائلة الفقيد الصغير في حي النهضة، سائلين الله أن يلهمهم الصبر والسلوان في هذا المصاب الجلل الذي هز إقليم أزيلال والمغرب قاطبة. إن فاجعة غرق طفل في الثالثة عشر من عمره هي تذكير مؤلم لنا جميعاً بهشاشة الحياة وبأهمية حماية الطفولة من المخاطر المحدقة بها. لعل هذه الروح الطاهرة التي صعدت إلى بارئها تكون سبباً في تحرك حقيقي وجاد لإغلاق "قنوات الموت" بسياجات واقية، أو على الأقل توفير مراقبة دورية تمنع تكرار مثل هذه المآسي. إن الوطن لا يبنى فقط بالإسمنت والقنوات، بل يبنى بحماية الإنسان والحفاظ على أغلى ما يملك، وهم أطفاله الذين يمثلون مستقبله. وداعاً يا صغير بني عياط، ونتمنى أن تكون تضحيتك هذه آخر الأحزان، وأن نستخلص منها العبر الكافية لضمان ألا تبتلع المياه أحلام طفل آخر في أي ركن من أركان هذا الوطن العزيز.