ما وراء الشاشة: عائشة أشب ومعركة الوعي السياسي في مواجهة الكراهية الرقمية بكييتيBeyond-the-Screen-Aisha-Ashab-and-the-Battle-for-Political-Consciousness-against-Digital-Hate-Speech
في المشهد السياسي الأوروبي المعاصر، لم تعد صناديق الاقتراع هي الميدان الوحيد للمعركة الانتخابية، بل تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات بديلة تتداخل فيها الأيديولوجيات بمشاعر التمييز. تبرز قصة عائشة أشب، السيدة المغربية المنحدرة من الدار البيضاء، كنموذج صارخ لهذا التحول الدراماتيكي؛ فبمجرد إعلان ترشحها ضمن قوائم الحزب الديمقراطي لانتخابات المجلس البلدي في مدينة كييتي الإيطالية، اندلعت عاصفة من الهجمات الرقمية التي تجاوزت حدود النقد السياسي لتصل إلى خانة الكراهية الشخصية والعنصرية. عائشة، التي قضت سنوات من عمرها في بناء جسور التواصل كوسطية ثقافية، وجدت نفسها فجأة هدفاً لسهام افتراضية تحاول النيل من مسيرتها الحافلة بالعمل الاجتماعي. إن هذا الهجوم لا يعبر فقط عن رفض لشخصها، بل يعكس توتراً أعمق يعتمل في وجدان بعض الفئات التي ما زالت تنظر إلى المهاجر، مهما بلغت درجة اندماجه، كعنصر خارجي لا يحق له المساهمة في صنع القرار المحلي، وهو ما يضع قيم التعددية الأوروبية على محك حقيقي أمام زحف الأفكار الإقصائية.
بالنظر إلى الخلفية الإنسانية والمهنية لعائشة أشب، نجد أنها لم تكن يوماً غريبة عن مجتمعها الإيطالي المحيط، بل كانت ركيزة أساسية من ركائز التضامن في مدينتها. من خلال رئاستها لجمعية «النور» الخيرية، استطاعت هذه السيدة أن تمد يد العون لعشرات النساء، محولة العمل الجمعوي إلى وسيلة لتمكين المهمشين ودمجهم في النسيج الاجتماعي. المفارقة تكمن هنا؛ فبينما كانت عائشة تنسج خيوط المودة والخدمة العامة على أرض الواقع، كانت جدران العالم الافتراضي تُبنى لعزلها وتشويه صورتها. إن هذا النوع من التحرش الرقمي لا يستهدف البرنامج الانتخابي للمرشحة، بل يستهدف هويتها الثقافية والمغربية، وهو دليل على أن النجاح الاجتماعي للمرأة المهاجرة قد يشكل تهديداً لمتطرفين يرون في الاندماج الحقيقي خطراً يهدد مفاهيمهم الضيقة عن الهوية الوطنية، مما يحول الساحة الرقمية من فضاء للحوار إلى أداة لقمع الأصوات الواعدة والقادمة من خلفيات متنوعة.
أمام هذا الانفلات الرقمي، اتخذ الحزب الديمقراطي الإيطالي موقفاً حازماً يتجاوز مجرد الدعم المعنوي ليشمل التلويح بالمتابعة القضائية ضد المحرضين، وهي خطوة تعكس إدراكاً متزايداً لخطورة الكراهية الإلكترونية على سلامة العملية الديمقراطية. إن الملاحقة القانونية هنا لا تهدف فقط لحماية عائشة أشب كمرشحة، بل تهدف إلى صون كرامة المؤسسات السياسية من أن تصبح مرتعاً للخطاب الشعبوي. من وجهة نظري التحليلية، أرى أن الحزب الديمقراطي يحاول إرسال رسالة مفادها أن التعددية ليست خياراً ثانوياً، بل هي جوهر الدستور الإيطالي، وأن التنمر الرقمي يجب أن يواجه بقوة القانون لمنع تحوله إلى سلوك جماعي مقبول. وفي الوقت ذاته، تبرز هذه الحادثة الحاجة الماسة لتشريعات أكثر صرامة تنظم سلوك المستخدمين خلال الفترات الانتخابية، لضمان ألا تتحول المنصات الاجتماعية إلى معاول هدم للشخصيات العامة التي تسعى لخدمة الصالح العام بعيداً عن صراعات اللون والعرق والدين.
من زاوية أخرى، فإن هذه الحملة ضد عائشة أشب تظهر قوة الجالية المغربية وقدرتها على التأثير في المجتمعات الغربية، لدرجة أنها باتت تستفز التيارات التي تخشى التغيير. إن تحليلنا للموقف يشير إلى أن عائشة لم تعد مجرد مرشحة بلدية، بل أصبحت رمزاً للمقاومة النسائية والمغربية في المهجر. الهجوم الذي تعرضت له قد يأتي بنتائج عكسية على أصحابه؛ فهو يسلط الضوء على قضيتها ويزيد من التعاطف الشعبي معها، خاصة بين الفئات المثقفة والشباب الذين يرفضون لغة الإقصاء. وفي رأيي الشخصي، فإن صمود عائشة في وجه هذا السيل من الانتقادات الجارحة يثبت أن الشخصية المغربية تتميز بصلابة نفسية مستمدة من جذورها العريقة، وأن العمل الميداني والسمعة الطيبة التي بنتها في «النور» ستكون هي الدرع الحقيقي الذي يحميها من فقاعات الكراهية التي لا تلبث أن تتلاشى أمام الحقائق الملموسة على أرض الواقع بكييتي.
وفي الختام، تظل تجربة عائشة أشب في انتخابات كييتي درساً بليغاً في كيفية تحويل المحنة إلى منحة، وصرخة في وجه الصمت ضد الانتهاكات الرقمية. إن معركتها اليوم ليست من أجل مقعد في المجلس البلدي فحسب، بل هي معركة من أجل حق كل فرد في المشاركة السياسية بكرامة وبغض النظر عن أصوله. لا بد أن تدرك المجتمعات الأوروبية أن الديمقراطية الحقيقية تنمو في مناخ الاحترام المتبادل، وأن محاولات الإقصاء الإلكتروني لن تفلح في إيقاف عجلة التاريخ التي تتجه نحو مزيد من التداخل الإنساني. إن خاتمة هذه القصة يجب أن تكون انتصاراً للقيم الإنسانية المشتركة، حيث تبقى كلمات الثناء التي حصدتها عائشة من الذين ساعدتهم في جمعية النور أقوى وأبقى من كل تعليقات الحقد المؤقتة، لتبقى هي المثال الملهم لكل امرأة مغربية تطمح في ترك أثر إيجابي يتخطى الحدود الجغرافية والحواجز النفسية.