شريان الحياة تحت مجهر القيادة: أبعاد تأسيس المجلس القومي للمياه في مصر وصياغة مستقبل الأمن القوميEgypt's-National-Water-Council-Establishment-Strategic-Water-Security-National-Future
تمثل الخطوة التي اتخذها الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بترؤس الاجتماع الأول للمجلس القومي للمياه، تحولاً جذرياً في فلسفة إدارة الموارد الطبيعية في الدولة المصرية المعاصرة، فهي لم تعد مجرد إجراءات إدارية روتينية لتوزيع حصص المياه، بل أصبحت استراتيجية شاملة تضع قطاع المياه في كفة ميزان واحدة مع قطاع الطاقة، كركيزتين لا غنى عنهما لاستقرار وبقاء الدولة. إن هذا المجلس، بتشكيله الرفيع وحضوره الوزاري المكثف، يعكس إدراكاً عميقاً بأن التحديات المائية التي تواجهها مصر في ظل التغيرات المناخية والتحولات الجيوسياسية الإقليمية تتطلب مركزية في التخطيط ولامركزية في التنفيذ، مع ضرورة وجود مظلة تنسيقية عليا تضمن عدم تضارب المصالح بين القطاعات المختلفة مثل الزراعة، والصناعة، والري، ومياه الشرب. ومن وجهة نظري، فإن هذا التحرك يعطي رسالة طمأنة للداخل بأن ملف الأمن المائي يدار بأعلى مستويات الكفاءة والاحترافية، حيث ينتقل من حيز الاستجابة للأزمات إلى فضاء الاستشراف المستقبلي والتحوط الاستراتيجي، مما يجعل من المياه محركاً للتنمية وليس عائقاً أمامها، وهو ما يجسد الرؤية الجديدة للدولة في الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة في كل قطرة مياه.
في قراءة متأنية لمستهدفات هذا المجلس، نجد أن التركيز ينصب بشكل مكثف على صياغة وتنفيذ خطط وطنية تتجاوز الحلول التقليدية، حيث تبرز الإدارة الرشيدة ككلمة سر في تجاوز الفجوة المائية الحالية. إن الانتقال من مفهوم الوفرة التاريخية إلى مفهوم الندرة الذكية يتطلب ثورة في أساليب الري وتكنولوجيا معالجة المياه، وهو ما تضمنته النقاشات التي ركزت على الاستراتيجية القومية للمياه حتى عام 2050. هذه الاستراتيجية ليست مجرد أرقام أو جداول زمنية، بل هي خارطة طريق لإعادة هيكلة استخدامات المياه في مصر، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة ممكنة من كل متر مكعب. أرى أن الدولة تتبنى هنا منهجاً علمياً يقوم على تنويع المصادر، فبجانب حماية المصدر التقليدي الأساسي، هناك توجه قوي نحو التوسع في محطات تحلية مياه البحر وتدوير مياه الصرف الزراعي المعالجة واستخدامها في استصلاح الأراضي. هذا التنويع ليس رفاهية، بل هو ضرورة حتمية لتقليل الاعتماد الكلي على مصدر وحيد، مما يمنح صانع القرار مرونة أكبر في التعامل مع أي متغيرات مفاجئة قد تطرأ على الساحة الدولية أو البيئية، ويعزز من متانة الاقتصاد القومي وقدرته على الصمود أمام الضغوط الخارجية.
لا يمكن فصل أهمية هذا المجلس عن السياق الاقتصادي الأشمل الذي تنشده الدولة المصرية، إذ لا توجد نهضة صناعية أو توسع زراعي أفقي دون بنية تحتية مائية صلبة ومستدامة. إن تأكيد رئيس الوزراء على أن المياه تعادل الطاقة في الأهمية يضع النقاط على الحروف فيما يخص أولويات الإنفاق الحكومي في المرحلة المقبلة، حيث من المتوقع أن نشهد ضخ استثمارات ضخمة في مشاريع تبطين الترع، وتطوير شبكات التوزيع، وتركيب العدادات الذكية، فضلاً عن دعم البحوث العلمية في مجال البذور المقاومة للجفاف التي تستهلك كميات أقل من المياه. من منظوري الشخصي، يمثل المجلس القومي للمياه منصة لدمج الرؤى التقنية مع المتطلبات الاقتصادية، فهو يضمن أن يتم تخصيص الموارد المائية بناءً على الجدوى الاقتصادية والقيمة المضافة الأعلى، وليس بناءً على العادات الاستهلاكية القديمة. هذا الفكر الرأسمالي الرشيد في إدارة المورد العام هو ما سيخلق فارقاً في معدلات النمو المستهدفة، حيث تصبح المياه جزءاً من دورة الإنتاج التي تخلق فرص عمل وتزيد من الصادرات الزراعية المصرية إلى الأسواق العالمية، مما يربط الأمن المائي بشكل مباشر بالأمن الغذائي والاقتصادي.
بالنظر إلى التفاصيل الفنية والسياسات التي ناقشها المجلس، يظهر بوضوح أن الدولة تسعى لتحقيق توازن دقيق بين الاحتياجات الحالية والالتزامات المستقبلية، مع تشديد الرقابة على أي ممارسات قد تؤدي إلى الهدر أو التلوث. إن إعادة استخدام المياه وتدويرها في محطات عملاقة مثل محطة الحمام أو بحر البقر يعد نقلة نوعية تضع مصر في مصاف الدول الرائدة عالمياً في تقنيات الاستدامة المائية. ومع ذلك، أعتقد أن نجاح مهام هذا المجلس لا يعتمد فقط على الإجراءات الحكومية الصارمة أو المشاريع القومية الكبرى، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بوعي المواطن وتغيير الثقافة المجتمعية تجاه المياه. يجب أن تتحول الاستراتيجية القومية من وثيقة حكومية إلى سلوك يومي يشترك فيه المزارع في حقله والمواطن في منزله، لأن الحفاظ على المورد هو مسؤولية جماعية. المجلس هنا يلعب دور المايسترو الذي ينظم هذا الإيقاع، ويضع القواعد والتشريعات التي تحفز الملتزمين وتضرب بيد من حديد على المتجاوزين، مما يخلق بيئة من الانضباط المائي التي تعتبر حجر الزاوية في أي مشروع تنموي طموح يهدف للوصول إلى جمهورية جديدة مزدهرة ومستقرة.
ختاماً، يمثل الاجتماع الأول للمجلس القومي للمياه إعلان انطلاق مرحلة جديدة من المواجهة الشجاعة مع الواقع، وهي مرحلة تتسم بالشفافية والعمل الجاد بعيداً عن الشعارات. إن وضع الأمن المائي كأولوية قصوى يعكس التزام القيادة السياسية بحماية مقدرات الشعب المصري في ظل ظروف عالمية بالغة التعقيد، حيث الصراع القادم هو بلا شك صراع على الموارد. إن ما تم طرحه من رؤى طموحة واستراتيجيات بعيدة المدى حتى عام 2050 يمنحنا التفاؤل بأن مصر قادرة على تحويل تحدي الندرة إلى فرصة للإبداع والابتكار التكنولوجي. وفي تقديري، فإن استمرار هذا المجلس في عقد اجتماعاته بانتظام ومتابعة تنفيذ القرارات على أرض الواقع سيكون الضمانة الأساسية لنجاح هذه المساعي، فالأمن المائي ليس هدفاً نصل إليه ثم نتوقف، بل هو عملية مستمرة من التطوير والتكيف واليقظة الدائمة لضمان تدفق شريان الحياة في عروق الوطن دون انقطاع، مما يجعلنا ننظر للمستقبل بعين من الثقة بأن الإدارة العلمية الواعية قادرة على ترويض الصعاب وصناعة غد أفضل للجميع.