قاعدة إثيوبية لدعم «الدعم السريع».. هل تتجه السودان نحو حرب إقليمية؟Ethiopian-Base-Supporting-RSF-Is-Sudan-Heading-Towards-Regional-War

Ethiopian-Base-Supporting-RSF-Is-Sudan-Heading-Towards-Regional-War


في خضم فوضى الحرب الدائرة في السودان، حيث تتناثر التقارير المروعة عن الصراع بين الجيش النظامي (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF)، يظهر تقرير جديد ليشعل فتيل القلق الإقليمي. لقد كان الصراع السوداني يُنظر إليه في البداية كصراع داخلي على السلطة، لكن سرعان ما اتضحت ملامحه كنزاع إقليمي بالوكالة، يستقطب اهتمام القوى المجاورة، كلٌّ يسعى لحماية مصالحه الخاصة. التقرير الذي صدر مؤخراً عن وحدة أبحاث في جامعة يال الأميركية، والذي يشير بوضوح إلى أن قاعدة عسكرية إثيوبية قريبة من الحدود السودانية تقدم دعماً مباشراً لقوات الدعم السريع، لا يمثل مجرد خبر عابر، بل هو كشفٌ هزيلٌ لواقع جيوسياسي معقد، يؤكد المخاوف المتزايدة من تحول الأزمة السودانية إلى صراع إقليمي شامل يهدد استقرار القرن الأفريقي بأكمله. إن هذا التطور، في حال ثبوته، يغير قواعد اللعبة بالكامل ويطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام الدول المجاورة بالحياد وعواقب التدخل في شؤون الجيران.

إن التحليل المتعمق لدوافع إثيوبيا للتدخل المزعوم يفتح الباب أمام فهم أعمق للروابط الجيوسياسية المتشابكة في المنطقة. العلاقة بين السودان وإثيوبيا لم تكن أبداً سهلة، خاصة في السنوات الأخيرة. فهناك قضايا شائكة مثل النزاع الحدودي حول منطقة الفشقة، حيث تسيطر القوات السودانية على أراضٍ تعتبرها إثيوبيا جزءاً من سيادتها. إضافة إلى ذلك، هناك الخلاف المستمر حول سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي تراه الخرطوم (والقاهرة) تهديداً مباشراً لأمنها المائي. هذه الخلفية المعقدة تجعل من الصعب على إثيوبيا أن تقف متفرجة على الصراع السوداني دون محاولة استغلاله لمصلحتها. من وجهة نظري، فإن دعم قوات الدعم السريع، التي تسيطر على مناطق واسعة بالقرب من الحدود، قد يُنظر إليه في أديس أبابا كخطوة استراتيجية لـ "تحييد" الجبهة الغربية، أو ربما لإنشاء منطقة عازلة صديقة، أو حتى للمساومة في المستقبل بشأن قضايا الفشقة وسد النهضة. هذا التدخل، إذا تأكد، يكشف عن براغماتية سياسية قاسية لا تضع استقرار الجار في مقدمة الأولويات، بل تسعى لتأمين المكاسب الذاتية على حساب تفاقم النزاع.

ماذا يعني الدعم اللوجستي لقوات الدعم السريع على الأرض؟ التقرير الأميركي يشير إلى طبيعة الدعم المقدم من قاعدة إثيوبية، وهو ما يتجاوز مجرد التعاطف السياسي. الدعم اللوجستي يمكن أن يشمل توفير ممرات آمنة للإمدادات، أو نقل الأسلحة والذخيرة، أو حتى توفير ملاذ آمن للمقاتلين عبر الحدود. هذا النوع من الدعم يعطي قوات الدعم السريع ميزة حيوية في صراعها مع الجيش السوداني، خاصة وأن القوات المسلحة السودانية تحاول فرض حصار على تحركات الدعم السريع. التدخل الخارجي، حتى لو كان محدوداً في البداية، يؤدي إلى إطالة أمد الصراع ويحول دون التوصل إلى حل سلمي. فكلما تلقت إحدى القوتين المتحاربتين دعماً خارجياً، زادت قسوتها وتصلبت مواقفها، مما يجعل المفاوضات مستحيلة. لقد شهدنا هذا السيناريو مراراً وتكراراً في حروب الوكالة حول العالم، حيث يكون الشعب هو الضحية الأولى لتدخل القوى الخارجية التي تستخدم الأراضي السودانية كمسرح لتصفية حساباتها الجيوسياسية. هذا الوضع يفاقم الكارثة الإنسانية في السودان، ويجعل من استقرار المنطقة مجرد حلم بعيد المنال.

التحليل الشخصي لهذا الموقف يقودني إلى التساؤل عن مدى فعالية الآليات الإقليمية والدولية في التعامل مع الأزمات المتقاطعة. لقد فشل المجتمع الدولي في إيجاد حل شامل وفعال للأزمة السودانية، وتجاهل إلى حد كبير حجم الكارثة الإنسانية التي تحدث هناك. هذا الفراغ في القيادة الدولية هو ما يتيح للقوى الإقليمية، مثل إثيوبيا، التدخل السافر دون خوف من المساءلة. إن هذا التقرير، الذي يأتي من جهة أكاديمية مرموقة، لا يجب أن يُمر مرور الكرام. يجب أن يكون بمثابة جرس إنذار للمجتمع الدولي للتحرك بحزم لوقف التدخلات الخارجية التي تغذي الصراع. إن الصمت على مثل هذه الأفعال يمثل خيانة للمبادئ الدولية الأساسية للسيادة وعدم التدخل، ويسهل على الدول الأخرى اتخاذ إجراءات مماثلة. نحن نشهد تحولاً خطيراً في القرن الأفريقي، حيث لم يعد الصراع محصوراً داخل حدود دولة واحدة، بل أصبح شبكة معقدة من المصالح المتضاربة والتحالفات المتغيرة، والتي تهدد بجر المنطقة بأكملها إلى فوضى عارمة.

في الختام، فإن تقرير جامعة يال عن الدعم الإثيوبي المزعوم لقوات الدعم السريع يضع إثيوبيا في موقف حرج ويؤكد على الطبيعة الإقليمية المتزايدة للصراع في السودان. هذا التدخل لا يهدد بجر دول الجوار الأخرى إلى المستنقع فحسب، بل إنه يقوض أي جهود ممكنة للسلام والاستقرار. إن المنطقة بحاجة ماسة إلى مجهود دولي وإقليمي صادق لوقف إمدادات السلاح والدعم المالي لكلا طرفي النزاع، والضغط على جميع الأطراف الخارجية لالتزام الحياد. ما لم يتم ذلك، فإن السودان سيظل ممزقاً، وسيمتد شبح الحرب إلى جميع دول الجوار، مما يعيد تشكيل خريطة الجغرافيا السياسية للقرن الأفريقي بطرق لا يمكن التنبؤ بها. الأمل الوحيد المتبقي يكمن في أن يُستخدم هذا التقرير كأداة ضغط لفرض الشفافية والمساءلة، قبل أن يغرق السودان والمنطقة بأكملها في صراع لا نهاية له.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url