أنياب في قلب المدينة: هل نحتاج لقانون أقوى أم لوعي أعمق لمواجهة فوضى الكلاب الشرسة؟fangs-in-the-heart-of-the-city-do-we-need-stronger-laws-or-deeper-awareness-to-face-the-chaos-of-fierce-dogs

fangs-in-the-heart-of-the-city-do-we-need-stronger-laws-or-deeper-awareness-to-face-the-chaos-of-fierce-dogs


لقد استيقظت مدينة طنجة مؤخراً على وقع فاجعة إنسانية بكل المقاييس، حيث تحولت نزهة شاب في مقتبل العمر إلى كابوس مرعب انتهى بوفاته إثر هجوم غادر شنته مجموعة من الكلاب من سلالات تُصنف دولياً ضمن خانة “الخطيرة”. هذه الواقعة الأليمة لم تكن مجرد حادث عرضي عابر، بل كانت بمثابة صدمة كهربائية أيقظت الرأي العام المغربي من سباته، وأعادت إلى طاولة النقاش الوطني ذلك الملف الشائك والمؤجل دائماً: القانون رقم 56.12 المتعلق بتنظيم امتلاك الكلاب الشرسة والتحكم في مخاطرها. إن الغضب العارم الذي اجتاح منصات التواصل الاجتماعي يعكس قلقاً مجتمعياً عميقاً من تزايد ظاهرة التجول بكلاب تبدو وكأنها قنابل موقوتة، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى جدية تطبيق الترسانة القانونية المتوفرة، وهل نحن فعلاً أمام قصور في النصوص القانونية أم أن الأزمة تكمن في غياب ثقافة المسؤولية لدى المربين؟

من وجهة نظري الشخصية ككاتب ومراقب للشأن الاجتماعي، أرى أن الإشكالية تتجاوز بكثير مجرد اقتناء كلب أو توفيره للحماية. نحن نعيش ظاهرة “التفاخر بالتوحش”، حيث أصبح امتلاك كلب ضخم من فصيلة شرسة رمزاً للقوة الزائفة لدى بعض الشباب، متناسين أن اقتناء مثل هذه الحيوانات يتطلب مؤهلات نفسية ومعرفية وتدريباً احترافياً لا يمتلكه جل الهواة. إن القانون ليس عصا سحرية، فبقدر ما هو أداة للردع، فإنه يحتاج إلى بيئة حاضنة تدرك أن الكلاب ليست ألعاباً أو أدوات للترهيب. إن المسؤولية الأخلاقية تقع على عاتق المالك قبل كل شيء؛ فالمسافة الفاصلة بين “أليف” و”وحش” لا تقاس بحدود القفص، بل بمدى التزام المالك بقواعد الترويض والتربية التي تجعل من هذه الحيوانات كائنات غير ضارة ببيئتها ومحيطها الاجتماعي، بدلاً من تركها تتجول في الشوارع دون كمامات أو قيود، مما يجعل وقوع الكوارث مسألة وقت ليس إلا.

بالغوص في تفاصيل القانون 56.12، نجد أنه قد وضع ضوابط دقيقة تستهدف حماية الأرواح، بدءاً من منع اقتناء كلاب تتسم بالخطورة المفرطة وصولاً إلى إلزامية التأمين والتدريب. لكن الواقع الميداني يرسم صورة مغايرة تماماً، حيث نرى انتشاراً واسعاً لهذه السلالات في مختلف أحياء المدن الكبرى دون حسيب أو رقيب. هنا، يطرح الخبراء والأطباء البيطريون وجهة نظر تستحق التأمل: ألا وهي ضرورة إيجاد آلية لمراقبة استيراد وتناسل هذه الفصائل. فمن أين تأتي هذه الكلاب؟ وكيف يتم تداولها في أسواق غير خاضعة للرقابة؟ إن غياب المراقبة الصارمة على مستوى المصدر يجعل من تطبيق القانون في الشارع عملية أشبه بمطاردة السراب، لأن الكلاب الخطيرة موجودة بالفعل بيننا، ومعظمها يفتقر إلى السجلات الصحية أو التلقيحات الضرورية التي تضمن عدم تسببها في أوبئة أو أضرار جانبية.

إن الحل لا يكمن فقط في شن حملات أمنية موسمية عقب كل حادث مأساوي، بل في خلق ثقافة مجتمعية واعية بمسؤولية تربية الحيوانات. نحتاج إلى حملات توعوية مكثفة تشرح للشباب مخاطر تربية كلاب غير مدربة في فضاءات ضيقة، وتوضح العقوبات الجنائية التي قد تطال المالك في حالة وقوع أي مكروه. كما يجب على الجمعيات المهتمة بحماية الحيوان أن تلعب دوراً محورياً في هذا السياق، ليس فقط للدفاع عن حقوق الحيوان، بل لتعزيز السلوك المدني القائم على التعايش السلمي. إن الفضاء العام هو ملك للجميع، والحق في المشي في الشارع دون الخوف من التعرض لهجوم من كلب طليق هو أبسط حقوق المواطنة، وأي تهاون في تطبيق القانون يعتبر تقصيراً في حماية الأمن العام الذي يعد الركيزة الأساسية لاستقرار أي مجتمع.

في ختام هذه القراءة، يظل حادث طنجة الأخير جرحاً غائراً يذكرنا بأن التساهل في تطبيق القوانين له كلفة إنسانية باهظة لا يمكن تعويضها. إننا ندعو اليوم إلى تفعيل حازم وشامل للقانون 56.12، مع التركيز على مراقبة بؤر التكاثر والبيع العشوائي، وفرض عقوبات زجرية صارمة على كل من يعرض حياة المواطنين للخطر عبر إهمال كلابه الشرسة. إن التغيير الحقيقي يبدأ حين ندرك جميعاً أن امتلاك حيوان هو التزام أخلاقي تجاه المجتمع بقدر ما هو مسؤولية تجاه الحيوان نفسه. لنتذكر دائماً أن القوة الحقيقية للإنسان لا تكمن في حجم الكلب الذي يمسكه بيده، بل في حجم المسؤولية التي يحملها تجاه أمن وسلامة محيطه. آن الأوان لنحول هذا الألم إلى فعل حقيقي يضمن لمدننا الهدوء، ولساكنيها السكينة، ولأرواح ضحايا هذه الحوادث حقهم في أن لا تذهب دماءهم هدراً دون تغيير ملموس في سياساتنا الأمنية والاجتماعية.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url