رحيل فرنسا: مالي تنزلق نحو فوضى ما بعد الاستعمار والروسFrance-Departure-Mali-Descends-Into-Postcolonial-Chaos-And-Russia

France-Departure-Mali-Descends-Into-Postcolonial-Chaos-And-Russia


قرار فرنسا الأخير بطلب المغادرة الفورية لمواطنيها من مالي لم يكن مجرد تنبيه أمني روتيني؛ بل كان إعلانًا رسميًا لنهاية حقبة، وتأكيدًا على فشل استراتيجي ذريع في قلب منطقة الساحل. هذا الإجراء، الذي يأتي بعد سنوات من التدخل العسكري الفرنسي المكثف (عمليات سيرفال وبرخان)، يسلط الضوء على عمق الهوة التي تفصل باريس عن باماكو، ورضوخها للواقع الجديد الذي فرضته الأجندة الجيوسياسية المتغيرة. لقد استثمرت فرنسا مليارات اليوروهات وأرواح جنودها في محاولة استبقاء نفوذها ومكافحة الجماعات المتطرفة، لكنها تجد نفسها اليوم مطرودة فعليًا من الباب الخلفي، لتحل محلها قوى جديدة لا تحمل بالضرورة أوراق اعتماد ديمقراطية. الانسحاب الفرنسي يمثل نقطة تحول حاسمة: فبدلاً من أن تكون الضامن الأمني الرئيسي للمنطقة، أصبحت فرنسا اليوم مجرد مراقب خارجي، يتأمل بعجز المشهد الفوضوي الذي كانت جزءاً من تشكيله، وتطلب من مواطنيها الفرار من العواقب التي لم تستطع منعها.

في خضم هذا المشهد المتقلب، تبرز تطورات شمال مالي لتكشف عن تعقيدات المشهد الأمني المتفاقم. ففي الوقت الذي تتصاعد فيه حدة الصراع بين الحكومة الانتقالية والمتمردين الطوارق، أعلن هؤلاء المتمردون (المنضويون تحت لواء تنسيقية حركات أزواد) عن التوصل إلى اتفاق يقضي بانسحاب القوات الروسية التابعة لمجموعة فاغنر من مناطق نفوذهم. هذا الإعلان، سواء كان حقيقيًا أو مجرد تكتيك تفاوضي، يشير إلى تعقيد العلاقة بين الأطراف المتصارعة وتداخل المصالح. فمن جهة، يمثل وجود فاغنر (التي تدعم الحكومة الانتقالية) تحديًا مباشرًا لسلطة الطوارق في معاقلهم التقليدية مثل كيدال. ومن جهة أخرى، يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الحكومة الانتقالية في باماكو وقوات فاغنر، وهل باتت الأخيرة عبئًا يصعب التحكم به؟ الطوارق، الذين يمتلكون تاريخًا طويلاً من الصراع مع السلطة المركزية، يستغلون الفراغ الأمني الناتج عن انهيار اتفاق الجزائر للسلام والانسحاب الفرنسي، ويحاولون إعادة ترتيب الأوراق لضمان استقلالهم الذاتي، مستغلين التناقضات بين الأجندة الروسية والمحلية.

التحول الجيوسياسي في مالي لا يمكن فصله عن الصراع الأوسع بين الغرب وروسيا للسيطرة على القارة الأفريقية. لقد استغلت روسيا، عبر ذراعها المسلح فاغنر، السخط الشعبي المتزايد ضد النفوذ الفرنسي (المتهم بالاستعمار الجديد) لترسيخ وجودها. إن نموذج فاغنر، القائم على تقديم خدمات أمنية غير رسمية مقابل الحصول على امتيازات اقتصادية (خاصة في مجال التعدين)، أثبت فعاليته في استقطاب الأنظمة العسكرية الجديدة في الساحل. بينما كانت فرنسا تركز على مكافحة الإرهاب كهدف أساسي، كانت الأنظمة المحلية ترغب في حماية سلطتها والحفاظ على استقرارها الداخلي، وهذا ما عرضته فاغنر. لقد فشلت باريس في فهم التحولات السياسية الداخلية في مالي، وفضلت الاعتماد على النخب القديمة، مما جعلها هدفًا سهلاً للحركات المعادية للاستعمار. روسيا، بدورها، لا تقدم حلاً سحريًا لمشكلة الإرهاب أو الحكم الرشيد، بل تقدم نموذجًا يركز على المصالح المتبادلة بين الأنظمة الاستبدادية، بغض النظر عن حقوق الإنسان أو الحوكمة الديمقراطية، وهذا ما يفسر شعبيتها بين قادة الانقلابات.

من وجهة نظري، فإن قرار فرنسا بالانسحاب الكامل وطلب مغادرة مواطنيها يمثل اعترافًا صريحًا بأن النموذج الغربي للتدخل الأمني في الساحل قد وصل إلى طريق مسدود. لقد فشلت استراتيجية الاعتماد على الحل العسكري البحت في القضاء على الإرهاب، وتجاهلت الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للصراع. الأجندة الفرنسية، التي كانت تركز بشكل كبير على مكافحة المتطرفين، لم تنجح في بناء مؤسسات قادرة على الصمود أو تحقيق التنمية المستدامة. واليوم، نرى أن مالي تتجه نحو المزيد من عدم الاستقرار، مع تصاعد حدة الصراع بين الحكومة المركزية والمتمردين الطوارق، وتأثير النزاع على المدنيين. إن إعلان الطوارق عن اتفاق مع فاغنر، حتى لو كان مجرد محاولة لكسب الوقت، يسلط الضوء على هشاشة الموقف الحكومي وحاجته إلى إعادة التفاوض على شروط وجود فاغنر نفسها. هذا الوضع يهدد بفتح جبهات جديدة من الصراع الداخلي، وقد يؤدي إلى تفكيك الدولة الماليّة بشكل أكبر. إن استبدال النفوذ الفرنسي بالروسي لن يحل المشاكل الجذرية لمالي، بل قد يزيد من تعقيدها، حيث يركز كلا الطرفين على مصالحهما الخاصة بدلاً من رفاهية الشعب المالي.

في الختام، فإن المشهد الحالي في مالي يمثل ذروة التحولات الجيوسياسية في منطقة الساحل. فمع انسحاب فرنسا، آخر القوى الاستعمارية الكبرى في المنطقة، ودخول روسيا كلاعب رئيسي جديد، تتجه مالي نحو مرحلة من الغموض التام. الانسحاب الفرنسي هو نهاية حقبة، ولكنه ليس بالضرورة بداية الاستقرار؛ بل قد يكون تمهيداً لفوضى أكبر. الصراع بين المتمردين الطوارق والحكومة، المدعومة من فاغنر، لا يلوح في أفقه حل واضح، وتتفاقم الأزمة الإنسانية مع تزايد عدد النازحين. إن ما يحدث في مالي هو قصة تحذيرية حول فشل التدخلات الخارجية التي تفتقر إلى استراتيجية شاملة تركز على التنمية والحوكمة الرشيدة، بدلاً من الأمن العسكري القصير الأمد. إن مستقبل مالي يتطلب حلاً داخليًا يوازن بين مصالح المجموعات العرقية المتنوعة، بعيداً عن صراعات القوى العظمى التي لا ترى في المنطقة سوى ساحة للمنافسة الجيوسياسية.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url