زلزال دبلوماسي في الساحل الإفريقي: مالي تختار الواقعية وتنهي أوهام الانفصال في الصحراء المغربيةMali's-Pragmatic-Pivot-Ends-Separatist-Illusions-in-Moroccan-Sahara-Diplomatic-Shift-in-the-Sahel
تشهد القارة السمراء في الآونة الأخيرة تحولات جيوسياسية عميقة تعيد رسم خارطة التحالفات الإقليمية، ولعل الخطوة الجريئة التي أقدمت عليها جمهورية مالي بسحب اعترافها بالكيان الوهمي "البوليساريو" تمثل نقطة تحول مفصلية في هذا السياق. إن هذا القرار ليس مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل هو زلزال سياسي ضرب أركان الأطروحة الانفصالية في عمق منطقة الساحل والصحراء، حيث أدركت باماكو أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق من خلال دعم كيانات لا تملك مقومات الدولة، بل عبر الانخراط في مشاريع واقعية وتنموية تقودها القوى الإقليمية الوازنة. إن قرار مالي يعكس وعياً جديداً لدى النخب السياسية في غرب إفريقيا بضرورة تصفية ترسبات الحرب الباردة، والتوجه نحو بناء تكتلات اقتصادية وأمنية صلبة. ومن وجهة نظري، فإن هذا التحول المالي يأتي ثمرة لسياسة "النفس الطويل" التي نهجها المغرب بقيادة الملك محمد السادس، والتي ركزت على التعاون جنوب-جنوب بعيداً عن الشعارات الجوفاء، مما جعل الدول الإفريقية تقتنع بأن مبادرة الحكم الذاتي هي المخرج الوحيد والأوحد لهذا النزاع المفتعل الذي استنزف طاقات المنطقة لعقود طويلة. إننا اليوم أمام مشهد دولي جديد يتسم بالبراغماتية، حيث أصبحت الدول تبحث عن شركاء موثوقين يساهمون في تعزيز أمنها القومي وتنمية شعوبها، وهو ما يوفره المغرب لعمقه الإفريقي بامتياز، مما يجعل سحب الاعتراف بالكيان الوهمي مسألة وقت فقط لبقية الدول التي لا تزال تتردد في اتخاذ هذه الخطوة الشجاعة.
بالتعمق في أبعاد هذا الموقف المالي التاريخي، نجد أنه يمثل صفعة دبلوماسية قوية لخصوم الوحدة الترابية للمملكة، وتحديداً في توقيت دقيق تمر فيه منطقة الساحل بتحديات أمنية جسيمة. إن دعم باماكو الصريح لمقترح الحكم الذاتي المغربي كحل وحيد وجدي للنزاع حول الصحراء يمثل اعترافاً دولياً متزايداً بأن السيادة المغربية على أقاليمه الجنوبية هي حجر الزاوية في استقرار المنطقة برمتها. فمن الناحية التحليلية، يدرك القادة في مالي أن استمرار النزاع المفتعل في الصحراء يغذي بؤر التوتر ويسهل تحركات الجماعات المتطرفة وعصابات الجريمة المنظمة التي تنشط في الفراغات الأمنية التي تخلقها الحركات الانفصالية. ومن هنا، فإن انحياز مالي للحق المغربي هو انحياز لمبدأ سيادة الدول ووحدتها الترابية، وهو المبدأ الذي تدافع عنه مالي نفسها في مواجهة محاولات الانقسام الداخلي. لقد سئمت العواصم الإفريقية من لعبة "الجمهورية الوهمية" التي تفتقر لأي شرعية قانونية أو واقعية على الأرض، وباتت تفضل التعامل مع الحقائق الميدانية التي تثبت يوماً بعد يوم أن الصحراء المغربية تعيش طفرة تنموية غير مسبوقة تحت السيادة المغربية، مما يجعلها جسراً اقتصادياً يربط إفريقيا بأوروبا والعالم، وهو ما تلمسه مالي بشكل مباشر من خلال المبادرة الأطلسية التي أطلقها المغرب لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط.
وعلى صعيد آخر، فإن انهيار جدار الاعترافات بالكيان الانفصالي في القارة الإفريقية يكشف عن حجم العزلة التي بات يعاني منها البوليساريو وصناع قراره في الجزائر. إن انسحاب مالي من قائمة الدول المعترفة بهذا الكيان يفرغ الأطروحة الانفصالية من محتواها الإفريقي، ويجردها من آخر أوراق التوت التي كانت تحاول التستر بها في المحافل الدولية. ومن وجهة نظري المتواضعة، فإن هذا الموقف المالي سيشكل "تأثير الدومينو" في منطقة غرب إفريقيا، حيث ستجد الدول القليلة المتبقية نفسها أمام ضغط الواقعية السياسية وضرورة الاصطفاف إلى جانب الحق والعدل والمصالح المشتركة. لقد أثبتت الدبلوماسية المغربية أن لغة الأرقام والمشاريع الكبرى مثل أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، ومشاريع الفوسفات، والتعاون الديني والروحي، هي أقوى بكثير من لغة الابتزاز السياسي التي كانت تمارس في السابق. إن مالي، التي ترتبط بالمغرب بوشائج تاريخية وروحية عميقة، اختارت أن تعود إلى جادة الصواب الدبلوماسي، مؤكدة أن المستقبل يبنى بالتعاون والتكامل وليس بتفتيت الدول وخلق كيانات هشة تزيد من تعقيد الوضع الأمني في منطقة هشة بطبعها. إن هذا التحول يثبت أن المغرب نجح في تحويل قضية الصحراء من صراع سياسي إلى نموذج للتنمية الإقليمية، مما جذب إليه اعتراف كبريات القوى العالمية والآن القوى الإقليمية المؤثرة في الساحل.
لا يمكن قراءة القرار المالي بمعزل عن السياق الداخلي لجمهورية مالي، التي تخوض حرباً ضروساً ضد الإرهاب والحركات الانفصالية في شمالها. هناك نوع من "المرآة السياسية" هنا؛ فمالي التي ترفض أي تقسيم لأراضيها لا يمكنها أخلاقياً وسياسياً أن تدعم حركة انفصالية تحاول المساس بسيادة دولة شقيقة وجارة مثل المغرب. إن هذا الانسجام مع الذات هو ما يمنح القرار المالي قوته ومصداقيته، حيث بعثت باماكو برسالة واضحة مفادها أن زمن الكيل بمكيالين قد انتهى. إن التحليل العميق لهذا الموقف يشير إلى أن مالي باتت ترى في التجربة المغربية في تدبير الأقاليم الجنوبية نموذجاً يحتذى به في تحقيق المصالحة والتنمية وإدماج السكان في المسار الديمقراطي. كما أن الدعم المالي لمغربية الصحراء يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الأمني والعسكري بين الرباط وباماكو، وهو تعاون حيوي لمواجهة المخاطر المشتركة التي تهدد منطقة الساحل والصحراء. فالمغرب، بصفته فاعلاً رئيسياً في مكافحة التطرف، يمثل شريكاً استراتيجياً لا غنى عنه لمالي في مرحلتها الانتقالية الحالية. إن هذا القرار هو بمثابة إعلان شهادة وفاة للأوهام التي حاولت جبهة البوليساريو تسويقها لعقود، وهو تأكيد على أن الشرعية الدولية تنحاز بوضوح نحو الحلول التي تحترم سيادة الدول وتضمن كرامة الإنسان وتنمية الأوطان بعيداً عن مشاريع التجزئة والدمار.
في الختام، يمكن القول إن قرار جمهورية مالي بسحب اعترافها بالكيان الوهمي هو انتصار للعقل والمنطق والقانون الدولي، وتتويج لجهود دبلوماسية مغربية دؤوبة اتسمت بالهدوء والرزانة والوضوح. إن هذا الموقف المدروس يضع حداً لسنوات من التضليل، ويفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية بين البلدين مبنية على الاحترام المتبادل والعمل المشترك من أجل ازدهار القارة الإفريقية. إنني أرى في هذه الخطوة دليلاً قاطعاً على أن قطار الحل النهائي للقضية الوطنية المغربية قد انطلق ولن يتوقف، وأن المجتمع الدولي، وبقيادة الدول الإفريقية ذات السيادة، بات يدرك تمام الإدراك أن استقرار إفريقيا يمر عبر دعم وحدة المغرب الترابية. إن المستقبل اليوم يتشكل في الأقاليم الجنوبية للمملكة، التي أصبحت ورشاً مفتوحاً للاستثمار العالمي، ومركزاً إقليمياً للطاقة واللوجستيك، وهو الواقع الذي لا يمكن لأي خطاب انفصالي أن يحجبه. لقد برهنت مالي على شجاعة سياسية نادرة، مغلّبة مصلحة شعبها واستقرار منطقتها على الحسابات الإيديولوجية الضيقة، لتسطر بذلك فصلاً جديداً في كتاب التضامن الإفريقي الصادق. إن الطريق نحو طي هذا الملف بات معبداً أكثر من أي وقت مضى، وما قرار مالي إلا لبنة أساسية في بناء صرح المغرب الكبير الذي يتسع لجميع أبنائه تحت سيادة وطنية واحدة وتنمية شاملة لا تستثني أحداً.