عقود معلقة وحياة تنتظر: إضراب العدول يشل محركات الحياة المغربيةMorocco-Adoul-Strike-Cripples-Life-Suspends-Contracts
في قلب كل قصة حب، وكل شراكة عقارية، وفي تفاصيل كل لحظة مصيرية، تقف الإجراءات القانونية شاهدًا صامتًا لكن ضروريًا. في المغرب، يتمثل هذا الشاهد في مهنة العدول الشريفة، التي لا تقتصر مهامها على توثيق الزيجات فحسب، بل تمتد لتشمل مفاصل حياتية لا حصر لها. لكن اليوم، تعيش المملكة على وقع إضراب مفتوح يخوضه العدول، إضراب ألقى بظلاله الثقيلة على مسار الآلاف من الأسر والأفراد، محوّلاً أفراحهم المترقبة وقراراتهم الحاسمة إلى مجرد رغبات معلقة في فضاء الانتظار اللامتناهي. فبينما يستمر هذا التعطيل، تتراكم ملفات الزواج والطلاق والبيوع العقارية، لتُلقي الضوء على هشاشة بعض الأنظمة التي نعتبرها من المسلّمات في حياتنا اليومية، وتهدد بعرقلة عجلة التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
إنّ تداعيات هذا الإضراب تتجاوز بكثير مجرد تأخير وثيقة زواج هنا أو هناك. إنها تمتد لتضرب في صميم البنى الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع المغربي. فإلى جانب مئات طلبات الزواج التي تتعطل يوميًا، نجد أنفسنا أمام طابور طويل من معاملات الطلاق الاتفاقي التي تضع أطرافها في حالة من التعليق العاطفي والقانوني، وتُطيل أمد المعاناة لمن يسعون إلى طيّ صفحة وبدء حياة جديدة. والأمر لا يتوقف عند الأحوال الشخصية، بل يمتد ليطال سوق العقارات الحيوي، حيث تتوقف عمليات البيع والشراء التي تُشكل رافداً أساسياً للاقتصاد الوطني وتؤثر على آلاف المستثمرين والمواطنين على حد سواء. كل شهادة توثيقية، كل عقد، كل وثيقة يحتاجها المواطن في حياته اليومية أو في معاملاته المهنية، أصبحت اليوم حبيسة هذا الإضراب، مما يخلق بيئة من عدم اليقين والقلق على نطاق واسع.
يمكننا أن نتخيل حجم الإحباط والقلق الذي يعصف بآلاف العرسان الذين خططوا لأفراحهم بحب وعناية، ليجدوا أنفسهم فجأة أمام جدار بيروقراطي لا يمكن اختراقه. كم من قاعات حجزت، وكم من ترتيبات دُفعت، وكم من أحلام أُرجئت بسبب ورقة لم تُوقع؟ هذا ليس مجرد تأخير إجرائي، بل هو تأخير لمسار حياة بأكمله، يؤثر على بدايات أسر جديدة، ويُجبر البعض على تأجيل خططهم الإنجابية، أو حتى يضعهم تحت ضغط اجتماعي ومالي هائل. تخيلوا أيضًا الأسر التي تنتظر بيع عقار لتسديد دين، أو لبدء مشروع جديد، أو لعلاج مريض، لتجد نفسها في دوامة من الانتظار القسري. هذا "النفق" الذي تتحدث عنه المصادر، ليس مجرد تعبير مجازي، بل هو واقع مرير يعيشه الآلاف يوميًا، يهدد استقرارهم النفسي والمادي، ويختبر صبرهم إلى أقصى الحدود، ويُظهر كيف أن غياب خدمة واحدة، مهما بدت روتينية، يمكن أن يُحدث شللاً واسع النطاق في النسيج المجتمعي.
إنّ إضراب العدول يكشف عن نقطة ضعف محورية في النظام القانوني والإداري. فمهنة العدالة، المتجذرة في التاريخ المغربي والإسلامي، تحتل مكانة فريدة كحلقة وصل بين الشريعة والقانون الوضعي، وتضطلع بمسؤوليات عظيمة تتجاوز مجرد التدوين الرسمي. هذا الإضراب، مهما كانت مبرراته من مطالب مهنية أو ظروف عمل، يسلط الضوء على الحاجة الملحة لإيجاد آليات تضمن استمرارية الخدمات الأساسية للمواطنين، حتى في أوقات النزاعات المهنية. لا يمكن لدولة حديثة أن تسمح بتعليق مثل هذه الخدمات الحيوية دون أن تتأثر سمعتها وكفاءة نظامها القضائي والإداري. هنا، يبرز التحدي الحقيقي: كيف يمكن للمجتمع والدولة أن يحققا التوازن بين حقوق المهنيين في التعبير عن مطالبهم وتحسين ظروف عملهم، وبين حق المواطنين غير القابل للتصرف في الوصول إلى خدمات العدالة والتوثيق بسلاسة ودون عوائق؟ هذا السؤال يضع مسؤولية كبيرة على عاتق جميع الأطراف المعنية لإيجاد حلول مستدامة تمنع تكرار مثل هذه الأزمات في المستقبل.
إنّ استمرار هذا الشلل في التوثيق العدلي ليس خياراً، بل هو تحدٍ يفرض على جميع الأطراف، من العدول المطالبين بحقوقهم إلى المؤسسات الحكومية، التحرك بجدية وسرعة لإيجاد حلول ناجعة. لم يعد الأمر يقتصر على خلاف مهني يمكن تأجيله، بل تحوّل إلى أزمة وطنية تضع مصائر آلاف الأسر والأفراد على المحك. يجب أن تُفتح قنوات الحوار البناء فوراً، وأن تُقدم التنازلات المتبادلة في سبيل المصلحة العليا للمواطن. إنّ التأخير في حل هذه المعضلة لا يزيد إلا من حجم الأضرار الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، ويُعمق حالة عدم الثقة في قدرة الأنظمة على الاستجابة للأزمات. فالوقت ليس في صالح أحد عندما تتوقف عجلة الحياة؛ يجب أن تعود الأقلام لتُدوّن، وتعود العقود لتُوثّق، وتعود الحياة لمسارها الطبيعي، لكي تتحقق أفراح الناس وتستقر معاملاتهم، وتستعيد العدالة دورتها الطبيعية في خدمة الوطن والمواطن.