فصل سياسي جديد في بغداد: علي الزيدي وتحديات العبور نحو الدولة المستقرةNew-political-chapter-in-Baghdad-Ali-Al-Zaidi-and-the-challenges-of-crossing-towards-a-stable-state
تشهد الساحة السياسية في بلاد الرافدين منعطفاً حاسماً يعيد ترتيب الأوراق المبعثرة منذ فترة ليست بالقصيرة، حيث يأتي تكليف السيد علي الزيدي من قبل الرئيس نزار آميدي ليشكل خطوة جوهرية في مسار استكمال البناء المؤسساتي للدولة. إن هذا القرار لم يكن وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لمشاورات معقدة وتفاهمات بين القوى المنضوية تحت راية "الإطار التنسيقي"، التي سعت جاهدة لإيجاد شخصية قادرة على إدارة التوازنات الهشة في بيئة سياسية تتسم بالتعددية والتنافس الشديد. إن المشهد العراقي اليوم، وهو يترقب ولادة هذه الحكومة، يضعنا أمام تساؤلات مشروعة حول المنهجية التي ستتبعها السلطة التنفيذية الجديدة في معالجة الملفات العالقة التي أثقلت كاهل المواطن لسنوات طويلة، ومدى قدرة المكلف على موازنة المصالح المتباينة داخل قبة البرلمان وخارجها لضمان استمرارية عمر الحكومة ونجاحها في تنفيذ برنامجها الطموح.
بالنظر إلى سياق التكليف، نجد أن الكتلة النيابية الأكثر عدداً قد مارست حقها الدستوري في ترشيح من تراه الأنسب لهذه المرحلة، وهو ما يعزز من شرعية العملية الديمقراطية رغم كل العقبات. ومع ذلك، فإن التحليل العميق يشير إلى أن نجاح الزيدي لن يعتمد فقط على الدعم الذي حظي به من قوى الإطار، بل على قدرته على الانفتاح على بقية المكونات السياسية والاجتماعية التي قد تشعر بالتهميش أو القلق من التوجهات القادمة. إن المهمة الأساسية التي تواجه رئيس الوزراء المكلف تكمن في صياغة تشكيلة وزارية تتسم بالكفاءة والنزاهة قبل الانتماء الحزبي، وهو التحدي الذي طالما تعثرت عنده الحكومات السابقة التي غالباً ما كانت تخضع لمنطق المحاصصة الضيق. إن المرونة السياسية التي سيظهرها المكلف في الأيام الثلاثين القادمة ستكون هي المقياس الحقيقي لمدى قدرته على تجاوز عقبات التشكيل والبدء الفعلي في عملية الإصلاح الهيكلي التي يحتاجها الاقتصاد العراقي المنهك.
من وجهة نظري المتواضعة، فإن الاقتصاد يمثل الخاصرة الرخوة التي قد تهدد أي استقرار سياسي منشود، إذ لا يمكن الحديث عن نجاح حكومي في ظل ارتفاع معدلات البطالة وتهالك البنية التحتية. لذا، يجب أن تضع حكومة الزيدي المرتقبة في مقدمة أولوياتها تنويع مصادر الدخل القومي والابتعاد عن الاعتماد الكلي على الريع النفطي الذي يجعل الموازنة عرضة لتقلبات الأسواق العالمية. بالإضافة إلى ذلك، فإن محاربة الفساد الإداري والمالي لم تعد ترفاً فكرياً أو شعاراً انتخابياً، بل ضرورة وجودية للدولة؛ فالمواطن العراقي لم يعد يكتفي بالوعود الشفهية، بل يطالب بخطوات ملموسة تعيد له الثقة بمؤسساته الوطنية. إن الرؤية الاستراتيجية التي يجب أن يتبناها الزيدي تتطلب شجاعة في اتخاذ القرارات الاقتصادية الصعبة، مع مراعاة الحماية الاجتماعية للفئات الهشة، لضمان عدم حدوث هزات شعبية قد تطيح بما تم بناؤه في لحظات التوافق السياسي الراهنة.
على الصعيد الإقليمي والدولي، تبرز تحديات السيادة والحياد الإيجابي كأحد أهم الملفات التي ستحدد ملامح السياسة الخارجية للحكومة الجديدة. فالعراق، بموقعه الاستراتيجي وتاريخه، لا يمكنه الانعزال عما يدور حوله من تجاذبات دولية، لكنه في الوقت ذاته يجب أن يسعى ليكون ساحة للقاء لا مساحة للصراع. إن قدرة السيد علي الزيدي على إدارة علاقات بغداد مع دول الجوار والقوى الكبرى بتوازن دقيق سيعطي دفعة قوية لمكانة العراق الدولية. ومن المتوقع أن تستمر التحديات المتعلقة بتواجد القوى الأجنبية والمصالح الإقليمية المتداخلة في فرض نفسها على طاولة النقاش، مما يستدعي خطاباً ديبلوماسياً هادئاً وحازماً في آن واحد، يضع مصلحة العراق العليا فوق كل اعتبار ويساهم في استعادة الدور الريادي للعراق كعنصر استقرار في منطقة الشرق الأوسط المضطربة.
في الختام، يمكن القول إن تكليف علي الزيدي يمثل فرصة ذهبية قد تكون الأخيرة لاستعادة هيبة الدولة وفرض سلطة القانون بشكل شامل. إن الطريق أمام الحكومة الجديدة ليس مفروشاً بالورود، بل هو محفوف بالأشواك السياسية والضغوطات الاقتصادية، ولكن بالإرادة الوطنية الحقيقية والتخلي عن المصالح الفئوية الضيقة، يمكن لهذا التكليف أن يتحول إلى قصة نجاح عراقية طال انتظارها. إننا أمام اختبار حقيقي للطبقة السياسية برمتها، ومدى نضجها في التعامل مع استحقاقات المرحلة؛ فالشارع العراقي يراقب بصمت وحذر، وآماله معلقة على أن تكون هذه الحكومة بداية النهاية للأزمات المتلاحقة. لعل الأيام القادمة تحمل معها بشائر تغيير حقيقي، ينعكس أمناً واستقراراً ورخاءً على حياة العراقيين الذين يستحقون مستقبلاً أفضل يليق بتاريخهم العريق وتضحياتهم الجسام.