عدالة معلقة: حين تصبح البراءة سجناً أبدياً في بوصاصوSuspended-Justice-When-Innocence-Becomes-An-Eternal-Prison-in-Bosaso

Suspended-Justice-When-Innocence-Becomes-An-Eternal-Prison-in-Bosaso


في زوايا مظلمة من سجن بوصاصو، الواقع في منطقة بونتلاند شمال شرق الصومال، يتكشف فصل جديد ومؤلم من مأساة إنسانية تدمي القلوب. ستة شبان مغاربة، وُجهت لهم اتهامات بالإرهاب قبل سنوات، يجدون أنفسهم اليوم، وبعد أن أنصفهم القضاء وأعلن براءتهم التامة قبل سنتين كاملتين، محتجزين داخل تلك الأسوار. هذه ليست قصة عادية عن سوء حظ أو تأخير إداري؛ إنها تناقض صارخ يضرب بعمق في صميم مبادئ العدالة وحقوق الإنسان. لقد بلغ اليأس بهم حد خوض إضراب مفتوح عن الطعام، ليس طلباً لرحمة لم يجدوها، بل صرخة أخيرة لإنهاء احتجاز غير قانوني يطول أمده، وليستعيدوا حقهم البديهي في الحرية بعد أن برأتهم ساحات المحاكم. إن هذه الحالة ليست مجرد رقم في سجل القضايا المعلقة، بل هي صرخة مكتومة تكشف عن خلل عميق في احترام سيادة القانون على المستويين الوطني والدولي، وتطرح تساؤلات ملحة حول مصير الأفراد حين تتوه قضاياهم بين تعقيدات الجغرافيا والسياسة البيروقراطية.

المفارقة المؤلمة هنا تكمن في جوهر المسار القضائي نفسه. هؤلاء الشباب لم يحصلوا على حكم ابتدائي مشروط أو براءة ضمنية، بل على حكم استئنافي نهائي لا يقبل الطعن، يقر ببراءتهم الكاملة من التهم المنسوبة إليهم. هذا يعني أن القانون، في أسمى صوره، قد حكم لصالحهم، وأقر بأنهم أبرياء ولا ينبغي احتجازهم لحظة واحدة. ومع ذلك، مرت سنتان كاملتان على هذا القرار الحاسم، وظلوا خلف القضبان. إن هذا التأخير المريب ليس مجرد إهمال إداري، بل هو انتهاك مباشر لمبادئ العدالة الجنائية ولحقوق الإنسان الأساسية، وأبرزها الحق في الحرية والعدالة الناجزة. ما الذي يمكن أن يعيق تنفيذ حكم قضائي نهائي؟ هل هي تحديات لوجستية معقدة أم غياب الإرادة السياسية؟ أم أن هناك اعتبارات أخرى خفية تضع قفلاً على حرية ستة أفراد بريئين؟ هذا الوضع يقوّض ثقة الأفراد في الأنظمة القانونية ويُفرغ الأحكام القضائية من معناها، محولاً إياها إلى مجرد حبر على ورق لا يملك القدرة على تغيير واقع مرير.

وبعد استنفاد كل السبل القانونية، وبعد انتظار مرير دام لعامين لم يأتِ بالفرج، لم يتبقَ أمام هؤلاء الشبان سوى سلاح الجسد الذي يملكونه: الإضراب عن الطعام. هذا القرار ليس مجرد احتجاج، بل هو صرخة يائسة، نداء أخير للمسؤولين والضمير العالمي للتحرك قبل فوات الأوان. عندما يلجأ السجين إلى تجويع نفسه، فهو يتخلى عن آخر ما يملكه، ألا وهو صحته وسلامته، في سبيل استرداد حق أساسي سُلب منه ظلماً. هذا الإضراب، الذي دخل أسبوعه الثاني، يعكس عمق معاناتهم النفسية والجسدية، وتلاشي الأمل لديهم في أي حل دبلوماسي أو إداري وشيك. إنه تضحية كبرى تحمل في طياتها مخاطر جسيمة على حياتهم، لكنها تسلط الضوء بقوة على حجم الظلم الذي يتعرضون له، وتجعل قضيتهم تتردد صداها خارج أسوار السجن، لتصل إلى كل من يؤمن بقيم العدل والإنسانية. يجب أن يكون هذا الإضراب ناقوس خطر يدق أبواب كل من له سلطة أو تأثير للتحرك فوراً.

تتعدد الأسباب المحتملة لتعقيد هذا الملف، من التحديات اللوجستية والدبلوماسية المعقدة بين دولتين لهما سياقات أمنية وسياسية مختلفة، إلى غياب الأولويات أو التنسيق الفعال. قد تكون طبيعة التهم الأصلية (الإرهاب) قد ألقت بظلالها حتى بعد البراءة، مما جعل عملية الإفراج والترحيل أكثر حذراً وبطئاً. ومع ذلك، لا يمكن لأي من هذه الاعتبارات أن يبرر حرمان أفراد من حريتهم لمدة سنتين بعد أن أثبت القضاء براءتهم. تقع المسؤولية هنا على عاتق أطراف متعددة؛ على السلطات الصومالية تقع مسؤولية تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة عن محاكمها واحترام سيادة القانون داخل أراضيها، وعليها أيضاً واجب تسهيل إجراءات ترحيلهم. في المقابل، تقع على الدولة المغربية مسؤولية حماية مواطنيها أينما كانوا، وتكثيف جهودها الدبلوماسية والقنصلية لضمان الإفراج عنهم وإعادتهم إلى وطنهم. هذه القضية تتجاوز كونها مجرد ملف فردي، لتصبح اختباراً حقيقياً لفعالية الدبلوماسية وللالتزام الدولي بحقوق الإنسان في مناطق تتسم بالهشاشة والصراعات. يجب ألا يُترك هؤلاء الأفراد ليواجهوا مصيرهم وحدهم في هذا النسيان الإقليمي والدولي.

إن الوقت ينفد بسرعة مع استمرار الإضراب عن الطعام، وكل يوم يمر يزيد من المخاطر الصحية على هؤلاء الشبان الستة. لم يعد هناك مجال للمماطلة أو الأعذار. يجب على المجتمع الدولي، والمنظمات الحقوقية، وخصوصاً الحكومتين المغربية والصومالية، التحرك بجدية وفعالية لإنهاء هذا الكابوس. ليس من المقبول أن يظل أفراد بريئون، بحكم القانون، رهائن لمتاهات بيروقراطية أو سياسية. يجب أن تُبذل جهود استثنائية لضمان إطلاق سراحهم الفوري وتسهيل عودتهم الآمنة إلى بلدهم وأسرهم التي تنتظرهم بفارغ الصبر. إن قضية المغاربة الستة في سجن بوصاصو هي صرخة مدوية تذكرنا بأن العدالة ليست مجرد مفهوم نظري، بل هي حق ملموس يجب أن يُطبق ويُحترم على أرض الواقع، وبأن قيمة الإنسان لا تتجزأ ولا تُساوَم عليها. لعل هذا الإضراب الموجع يكون الشرارة التي تضيء طريق حريتهم، وتعيد إليهم كرامتهم المسلوبة، ويضع حداً لسنوات من الظلم والإهمال.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url