سوق الحرب: عندما يتحول مركز التجارة إلى هدف عسكري في نيجيرياThe-War-Market-When-Trade-Center-Becomes-Military-Target-in-Nigeria

The-War-Market-When-Trade-Center-Becomes-Military-Target-in-Nigeria


تصاعدت حدة الجدل في نيجيريا مؤخراً على خلفية تقارير تفيد بشن القوات الجوية ضربة استهدفت سوقاً شعبية. هذه الحادثة، التي تُعد نموذجاً معقداً للنزاعات الحديثة، تضعنا أمام مأزق أخلاقي وعسكري عميق. فبينما يصر الجيش النيجيري على أن الضربة كانت دقيقة وأن السوق لم يكن مجرد مكان للتجارة، بل مركزاً لوجستياً لتنظيمي «داعش» و«بوكو حرام» الإرهابيين، يتصاعد القلق الشعبي بشأن مصير المدنيين الأبرياء الذين يتخذون من هذا السوق مصدر رزقهم اليومي. إن التناقض بين رواية الجيش التي تركز على الضرورة العسكرية ورواية السكان المحليين التي تركز على الخسائر البشرية يسلط الضوء على تحديات الحرب غير المتماثلة (Asymmetric Warfare)، حيث يختلط العدو بالمدنيين ويستخدم البنية التحتية المدنية كدرع لحماية نفسه. هذا الموقف لا يثير التساؤل حول مدى دقة الضربات الجوية فحسب، بل يثير تساؤلات أعمق حول أخلاقيات الحرب في المناطق المأهولة بالسكان، ومسؤولية الدولة تجاه مواطنيها حتى أثناء مكافحة الإرهاب.

إن الرواية العسكرية، التي تبرر الضربة بكون السوق مركزاً لوجستياً، تستند إلى منطق استراتيجي صارم. في سياق مكافحة التمرد، لا يقتصر هدف الجيش على القضاء على المقاتلين مباشرة، بل يمتد إلى تجفيف منابع دعمهم اللوجستي. يتطلب أي تنظيم إرهابي، سواء كان «داعش» في نيجيريا أو «بوكو حرام»، شبكة إمداد معقدة تشمل الغذاء، الوقود، الأسلحة، ووسائل الاتصال. عندما يتغلغل هذا التنظيم في الأنشطة الاقتصادية العادية، ويستخدم الأسواق كنقاط لتخزين الإمدادات أو تجنيد الأفراد أو تحويل الأموال، فإنه يحول المنشأة المدنية إلى هدف عسكري مشروع. ادعاء الجيش بأن الضربة كانت «دقيقة» لا يعني بالضرورة أنها خالية من الأضرار الجانبية، بل يعني أنها استهدفت بدقة نقطة محددة داخل السوق كانت تُستخدم لأغراض عسكرية. من وجهة نظر استراتيجية، فإن تدمير هذا المركز اللوجستي قد يؤدي إلى شل قدرة التنظيم الإرهابي على العمل في المنطقة، وبالتالي يبرر الجيش الضرر الجانبي كـ «ثمن» لسلامة أكبر للمجتمع على المدى الطويل. ومع ذلك، يكمن التحدي في كيفية إثبات هذه الدقة للجمهور، خاصةً عندما تكون الشفافية غائبة.

من منظور السكان المدنيين، فإن الجدل يتجاوز مجرد الحسابات العسكرية. بالنسبة لهم، السوق هو شريان الحياة الاقتصادي، المكان الذي يعيلون فيه عائلاتهم. عندما يتحول هذا المكان إلى هدف، فإن الثقة بين المواطن والدولة تتآكل بسرعة. إن استهداف سوق شعبي، حتى لو كان هناك وجود لعناصر إرهابية، يعرض المدنيين لخطر جسيم، ويثير تساؤلات حول فعالية الاستخبارات العسكرية وقدرتها على التمييز بين الأبرياء والمقاتلين. قد يؤدي هذا النوع من الضربات إلى نتائج عكسية، حيث يدفع السكان المحليين المتضررين إلى الابتعاد عن التعاون مع القوات الحكومية، وربما يدفعهم نحو التعاطف مع التنظيمات الإرهابية التي تقدم لهم الحماية (حتى لو كانت زائفة) أو التي تستغل شعورهم بالظلم. إن المعضلة هنا تكمن في أن مكافحة الإرهاب ليست مجرد معركة عسكرية، بل هي معركة على القلوب والعقول (Hearts and Minds) للمجتمع المحلي. إذا خسرت الدولة ثقة مواطنيها، فإنها ستخسر المعركة ضد التمرد، حتى لو نجحت في تدمير مستودع إمداد.

لقد أدت هذه الحادثة إلى تسليط الضوء على تحديات فريدة تواجه عمليات مكافحة الإرهاب في نيجيريا. إن جماعات مثل «بوكو حرام» و«داعش» في غرب أفريقيا تستغل بشكل منهجي المناطق النائية والمهمشة، حيث تكون سيطرة الدولة ضعيفة، لإنشاء هياكلها اللوجستية. هذه الجماعات لا تعمل في فراغ؛ بل تعتمد على التفاعل مع المجتمعات المحلية، سواء بالإكراه أو بالترغيب الاقتصادي، لضمان استمراريتها. إن التحول إلى استهداف الأسواق أو المراكز المدنية يمثل اعترافاً ضمنياً من الجيش بأن هذه الجماعات نجحت في دمج نفسها في النسيج الاجتماعي والاقتصادي. ومع ذلك، فإن الاستخدام المفرط للقوة الجوية في مناطق كهذه يعرض الدولة للانتقادات الدولية بشأن انتهاك حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. إن نيجيريا، التي تواجه تحديات أمنية هائلة، تجد نفسها في موقف صعب، حيث يجب عليها تحقيق توازن دقيق بين حماية المدنيين ومكافحة التهديد الذي يهدد استقرارها. إن الفشل في تحقيق هذا التوازن قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة بدلاً من حلها، كما حدث في العديد من الصراعات الأخرى حول العالم.

في الختام، فإن حادثة استهداف السوق النيجيري تجسد المعضلة الأبدية في حروب العصر الحديث. إنها تضعنا أمام التساؤل: هل يمكن تبرير الضرر الجانبي في سبيل تحقيق مكسب استراتيجي، أم أن الأضرار التي تلحق بالمدنيين تشكل إخفاقاً أخلاقياً بحد ذاته؟ في حين أن الجيش النيجيري يسعى لحماية نفسه من اتهامات التهور، فإن الرأي العام يطالب بمساءلة أكبر وشفافية أعلى. لا يمكن فصل مكافحة الإرهاب عن حماية حقوق الإنسان. إذا كانت الدولة تسعى للقضاء على الإرهاب، فعليها أولاً أن تكسب ثقة الشعب الذي يفترض أنها تحميه. هذا يتطلب استراتيجية شاملة لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل تشمل إعادة بناء الثقة، وتوفير الخدمات الأساسية، وتعزيز التنمية الاقتصادية في المناطق المتضررة. إن الدرس المستفاد من نيجيريا هو أن القضاء على الإرهاب يتطلب أكثر من مجرد قنابل دقيقة؛ يتطلب بناء مجتمع قوي ومرن يرفض احتضان هذه الجماعات.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url