عندما يصبح السوق مقبرة: مأساة الغارة الجوية النيجيرية وتكلفة الحرب على المدنيينWhen-the-Market-Becomes-a-Graveyard-The-Tragedy-of-the-Nigerian-Airstrike-and-the-Cost-to-Civilians
أسواقنا هي شرايين الحياة النابضة في مجتمعاتنا؛ هي الأماكن التي يلتقي فيها الناس، ويتبادلون السلع، ويخططون لمستقبلهم. إنها تجسيد للروتين الهادئ الذي يحاول التغلب على فوضى العالم من حولنا. ولكن في المناطق المتأثرة بالصراعات، يتحول هذا الشريان النابض بالحيادة إلى نقطة ضعف قاتلة. عندما تصل الأخبار المروعة عن غارة جوية تستهدف سوقًا في شمال شرق نيجيريا، وتودي بحياة ما يقدر بنحو 200 مدني، فإن الصدمة تتجاوز مجرد الحادث العرضي. إنها تكشف عن فشل ذريع في حماية المدنيين، وتطرح تساؤلات جوهرية حول أخلاقيات الحرب الحديثة واستراتيجيات مكافحة التمرد. هذه ليست مجرد أرقام في نشرة أخبار؛ إنها مأساة إنسانية تضاف إلى سجل الصراعات الطويل، حيث يدفع الأبرياء الثمن الأعلى في صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل. السؤال الأهم ليس كيف حدث هذا، بل لماذا يتكرر هذا النمط المؤسف باستمرار، ولماذا يُسمح بمثل هذه الأخطاء الفادحة في أماكن يفترض أن تكون آمنة؟
إن المشهد في شمال شرق نيجيريا، حيث تتشابك صراعات بوكو حرام وتنظيم الدولة الإسلامية في غرب إفريقيا (ISWAP) مع أشكال أخرى من العنف، يخلق بيئة معقدة للغاية للعمليات العسكرية. إن التحدي الأكبر الذي تواجهه الجيوش النظامية في مثل هذه البيئات هو التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين، خاصة عندما يختار المسلحون الاندماج عمدًا بين السكان المدنيين. هذه الاستراتيجية التكتيكية الخبيثة تضع القوات الحكومية في موقف صعب. ومع ذلك، لا يمكن أن يكون هذا ذريعة لشن هجوم على سوق عام مزدحم. إن قصف سوق يمثل انتهاكًا صارخًا لمبدأ التناسب في القانون الدولي الإنساني. هذا المبدأ ينص بوضوح على أن الخسائر المدنية العرضية يجب ألا تكون مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة والمتوقعة من الهجوم. عندما يكون الهدف هو ملاحقة عدد قليل من المسلحين، والنتيجة المحتملة هي مقتل 200 مدني، فإن المعادلة تكون مختلة بشكل فادح. هذا الحادث يشير إلى أن عملية التخطيط للاستهداف كانت إما معيبة بشكل كارثي أو أن القيمة الممنوحة لحياة المدنيين كانت منخفضة بشكل خطير.
ما يجعل هذه المأساة أكثر تعقيدًا هو تأثيرها الاستراتيجي العكسي على جهود مكافحة التمرد. الهدف الأساسي لأي حملة لمكافحة التمرد ليس مجرد القضاء على المقاتلين، بل كسب ثقة السكان المحليين. عندما تقتل القوات الحكومية المدنيين بهذه الأعداد الهائلة، فإنها لا تقوض فقط ثقة الجمهور في الدولة، بل تدفع السكان بشكل مباشر إلى أحضان المتمردين. إن الشعور بالظلم والإحساس بأن الدولة هي مصدر الخطر الأكبر، بدلاً من المتمردين، يخلق أرضية خصبة للتجنيد. الأسر التي فقدت أحباءها بسبب غارة جوية حكومية لن ترى في الدولة حامية لها، بل عدوًا. هذا يغذي دورة العنف ويجعل من المستحيل على القوات الحكومية الحصول على المعلومات الاستخباراتية الحيوية من السكان المحليين، مما يزيد من صعوبة تحديد أهدافها بدقة في المستقبل. بمعنى آخر، هذا النوع من الأخطاء العسكرية لا يحقق النصر، بل يضمن فشل المهمة على المدى الطويل.
إن المسؤولية تقع على عاتق الدولة لإجراء تحقيق شفاف ومحاسبة المسؤولين عن هذا الحادث. في كثير من الأحيان، يتم التعامل مع حوادث القصف العرضي للمدنيين في مناطق الصراع بالصمت أو الإنكار أو تقديم مبررات واهية. ولكن لكي تستعيد نيجيريا ثقة شعبها، يجب أن يكون هناك تحقيق مستقل يحدد بالضبط كيف تم السماح بوقوع هذا الخطأ. يجب الكشف عن سلسلة القيادة التي وافقت على الغارة، وتدقيق قواعد الاشتباك المتبعة، وتقييم جودة الاستخبارات التي تم الاعتماد عليها. إن غياب المساءلة يخلق ثقافة الإفلات من العقاب، ويشجع على تكرار الأخطاء المماثلة. هذا ليس مجرد مطلب أخلاقي؛ إنه ضرورة استراتيجية. يجب أن تُظهر الدولة التزامًا ثابتًا بحماية شعبها فوق كل اعتبار، وأن تعترف بالأخطاء وتعمل على تصحيحها. فإصلاح العلاقات المتوترة مع السكان المحليين يبدأ بالشفافية والاعتراف بالخطأ، وهو ما يفتقر إليه عادةً عند وقوع مثل هذه المآسي.
في الختام، فإن مأساة السوق النيجيري هي تذكير مؤلم بأن الحرب على الإرهاب لا يمكن أن تُشن على حساب حياة الأبرياء. يجب إعادة تقييم استراتيجيات مكافحة التمرد، والتحول من التركيز الحصري على القوة النارية إلى استراتيجيات أكثر دقة وذكاء. هذا يتطلب استثمارًا أكبر في الاستخبارات البشرية، وتطوير قدرات المراقبة الدقيقة التي تقلل من هامش الخطأ. الأهم من ذلك، يجب أن تتغير العقلية من اعتبار المدنيين مجرد أضرار جانبية إلى اعتبارهم الهدف الأهم للحماية. عندما يذهب الأفراد إلى السوق لشراء الطعام أو بيع منتجاتهم، يجب أن يشعروا بالأمان لا بالتهديد من قواتهم المسلحة. إن بناء الثقة هو السلاح الأكثر فاعلية ضد التمرد، وأي عمل يقوض هذه الثقة هو في الأساس هدية مجانية للعدو. إن 200 روح فقدت في هذا الحادث هي دعوة للاستيقاظ، وهي تذكير بأن تكلفة القتال بهذه الطريقة تفوق بكثير أي مكسب عسكري قصير المدى.