ما وراء الوعود الفرنسية: هل تطوي أفريقيا صفحة «الصدقات» لتكتب تاريخها بمداد الاستثمار؟Beyond-French-promises-is-Africa-turning-the-page-on-charity-to-write-its-history-through-investment

Beyond-French-promises-is-Africa-turning-the-page-on-charity-to-write-its-history-through-investment


لطالما كانت العلاقة بين القارة السمراء والقوى الغربية محصورة في إطار ضيق من «المنح والإعانات» التي كانت تتدفق كمسكنات للأزمات المزمنة، دون أن تلامس جذور التنمية الحقيقية، إلا أن التصريحات الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نيروبي تمثل انعطافة جوهرية في الخطاب السياسي الأوروبي تجاه أفريقيا؛ فالدعوة إلى استبدال المساعدات العامة بالاستثمارات المباشرة ليست مجرد تغيير في المصطلحات، بل هي اعتراف ضمني بفشل النموذج التقليدي الذي كرس التبعية لعقود طويلة. إننا أمام رؤية تحاول إعادة صياغة الشراكة التاريخية لتصبح مبنية على المصالح المتبادلة بدلاً من العقلية الأبوية، حيث يدرك ماكرون تماماً أن أفريقيا اليوم، بديناميكيتها الشبابية وثرواتها الخام الهائلة، لم تعد تقبل بدور المتلقي السلبي، بل تطمح لأن تكون شريكاً فاعلاً في الاقتصاد العالمي، وهذا التحول يتطلب جرأة في ضخ رؤوس الأموال في قطاعات البنية التحتية والتكنولوجيا بدلاً من إرسال شحنات المعونات التي غالباً ما تتبخر في دهاليز البيروقراطية دون إحداث أثر تنموي مستدام.

بالنظر إلى الواقع الاقتصادي المرير الذي خلفته سياسات «المعونة»، نجد أن هذه الأموال، رغم نبل أهدافها المعلنة، قد ساهمت في خلق حالة من «الإدمان الاقتصادي» الذي أعاق روح الابتكار والمبادرة لدى الحكومات المحلية؛ فالمساعدات الدولية غالباً ما تأتي مشروطة أو موجهة لأهداف قصيرة المدى، بينما الاستثمار الحقيقي هو الذي يبني المصانع، ويطور الموانئ، وينقل الخبرات التقنية للأيدي العاملة المحلية. من وجهة نظري، فإن دعوة ماكرون تأتي في وقت حرج تعاني فيه القارة من فجوة تمويلية هائلة، خاصة في مجالات الطاقة النظيفة والتحول الرقمي، وهي قطاعات لا يمكن النهوض بها عبر الهبات، بل تتطلب صناديق سيادية واستثمارات أجنبية ضخمة ترى في أفريقيا أرضاً للفرص والربحية، لا ساحة للأعمال الخيرية، وهذا التغيير في العقلية الاستثمارية هو الكفيل وحده بتحويل القارة من خزان للمواد الخام إلى مركز عالمي للتصنيع والقيمة المضافة.

لكن، لا يمكننا قراءة هذا التوجه الفرنسي بمعزل عن التدافع الجيوسياسي المحموم على القارة السمراء، حيث تجد فرنسا نفسها في منافسة شرسة مع قوى صاعدة مثل الصين وروسيا اللتين اعتمدتا منذ سنوات مقاربات قائمة على «البراجماتية الاقتصادية» والمشاريع الكبرى. إن محاولة ماكرون لإعادة تموضع بلاده في القارة تعكس رغبة في تقديم نموذج غربي جديد يتخلص من إرث «الفرانكوفونية» القديم ويتبنى لغة الأرقام والمشاريع التنموية الكبرى، فالرهان اليوم هو على كسب ثقة الجيل الجديد من القادة والمبدعين الأفارقة الذين يتحدثون لغة ريادة الأعمال والابتكار، والذين يرون في الاستثمارات المستدامة وسيلة لانتشال ملايين البشر من خط الفقر، ولعل اختيار نيروبي، كمركز تكنولوجي واقتصادي صاعد في شرق أفريقيا، لتوجيه هذه الرسالة يبعث بإشارة واضحة بأن فرنسا تريد التعامل مع «أفريقيا الناجحة» والمبادرة.

على الرغم من جاذبية هذا الطرح، إلا أن الطريق نحو تحويل أفريقيا إلى قبلة للاستثمارات العالمية بدلاً من المساعدات لا يزال محفوفاً بالتحديات البنيوية والسياسية التي لا يمكن تجاهلها؛ فالاستثمار الأجنبي يبحث دوماً عن بيئة مستقرة وقوانين شفافة، وهو ما تفتقر إليه العديد من الدول الأفريقية التي لا تزال تعاني من اضطرابات أمنية وهشاشة في المؤسسات. هنا يبرز دور القوى الدولية في دعم «إصلاح المناخ الاستثماري» بدلاً من مجرد إلقاء الأموال، فالمطلوب هو ضمانات ائتمانية دولية تقلل من مخاطر الاستثمار في الأسواق الناشئة، وتشجع القطاع الخاص الأوروبي على المغامرة في مشاريع طويلة الأمد، وبدون وجود إرادة سياسية حقيقية من الطرفين —الأفريقي والأوروبي— لمعالجة قضايا الفساد وضعف الحوكمة، ستظل دعوات ماكرون مجرد شعارات رنانة في مؤتمرات دولية، بينما تستمر القارة في الدوران في حلقة مفرغة من الاحتياج.

في الختام، يمكن القول إن تصريح إيمانويل ماكرون يمثل «اعترافاً بالواقع» أكثر من كونه مجرد مبادرة دبلوماسية، فالمستقبل الاقتصادي للعالم يمر حتماً عبر أفريقيا، والنمو العالمي القادم سيحركه المستهلك الأفريقي الشاب، ومن هنا، فإن الانتقال من منطق «الإعانة» إلى منطق «الشراكة الاستثمارية» هو الخيار الوحيد القابل للحياة في القرن الحادي والعشرين. إنها دعوة لطي صفحة الماضي بكل تعقيداتها، والبدء في بناء جسور اقتصادية متينة تحترم سيادة الدول وتطلعات شعوبها، فإذا نجحت القارة في جذب الاستثمارات النوعية، فإنها لن تحتاج بعد ذلك لمن يطعمها، بل ستكون هي السلة التي تغذي العالم بمواردها وعقول أبنائها، وستبقى العبرة في التنفيذ لا في الوعود، وفي قدرة الشركاء الدوليين على تقديم نماذج استثمارية عادلة تضمن كرامة الإنسان وتنمية المكان.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url