جسور النماء في القرن الأفريقي: رؤية تحليلية لمنتدى الأعمال المصري–الإريتري وآفاق الشراكة الاستراتيجيةBridges-of-Growth-in-the-Horn-of-Africa-Analytical-Vision-of-the-Egyptian-Eritrean-Business-Forum-and-Strategic-Partnership-Prospects
في خطوة تعكس توجهاً استراتيجياً مصرياً نحو تعميق الجذور في القارة السمراء، شهدت العاصمة المصرية حراكاً دبلوماسياً واقتصادياً مكثفاً بتمثل في انطلاق منتدى الأعمال المصري–الإريتري، وهو الحدث الذي لا يمكن قراءته بمعزل عن الرؤية المصرية الشاملة لتعزيز الروابط مع دول حوض النيل والقرن الأفريقي؛ فقد جاء حضور الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة، جنباً إلى جنب مع كبار المسؤولين الإريتريين مثل السيد عثمان صالح والسيد هاجوس جبرهويت، ليؤكد أن المسار السياسي بين القاهرة وأسمرة بات مدعوماً بظهير اقتصادي صلب يسعى لتحويل التفاهمات السياسية إلى واقع ملموس يعود بالنفع على شعبي البلدين، حيث لم يعد التعاون يقتصر على الملفات الأمنية أو التشاور السياسي التقليدي، بل انتقل إلى مرحلة بناء المصالح المشتركة التي تُعد الضمانة الحقيقية لاستدامة العلاقات الثنائية في ظل التحديات الإقليمية المتسارعة التي تحيط بالمنطقة، مما يجعل من هذا المنتدى نقطة ارتكاز حيوية في إعادة رسم خريطة التحالفات الاقتصادية في شرق أفريقيا، مع التركيز على خلق قنوات تواصل مباشرة بين صنّاع القرار والمستثمرين لضمان إزالة أي معوقات قد تحول دون تدفق رؤوس الأموال والخبرات الفنية بين الجانبين.
إن ما يميز هذا المنتدى هو التركيز النوعي على قطاعات حيوية تمثل أعمدة الاقتصاد الحديث، وعلى رأسها التعدين، والصناعة، والخدمات اللوجستية، والنقل، فإريتريا تمتلك ثروات طبيعية وموقعاً جغرافياً فريداً على البحر الأحمر يجعلها بوابة تجارية هامة، بينما تمتلك مصر خبرات متراكمة وقاعدة صناعية قوية قادرة على تلبية احتياجات السوق الإريتري والمساهمة في تطوير البنية التحتية هناك؛ ومن وجهة نظري، فإن التركيز على الجانب اللوجستي والنقل يمثل ذكاءً استراتيجياً، لأن ربط الموانئ المصرية بالإريترية وتطوير خطوط نقل برية وجوية سيعمل على خفض تكاليف التجارة البينية بشكل جذري، مما يجعل السلع المصرية أكثر تنافسية في الأسواق الأفريقية، ويفتح في الوقت ذاته آفاقاً للصادرات الإريترية للوصول إلى الأسواق العالمية عبر البوابة المصرية، وهذا النوع من التكامل هو ما تفتقده الكثير من التجمعات الاقتصادية الأفريقية التي تفتقر لآليات تنفيذية فعالة على الأرض، ولكن المنتدى المصري الإريتري يبدو عازماً على تجاوز هذه العقبة من خلال إشراك الشركات الكبرى والقطاع الخاص بشكل مباشر في صياغة المشروعات المشتركة.
وبتحليل الدور الذي يلعبه القطاع الخاص في هذه المعادلة، يتضح لنا أن الدولة المصرية تتبنى نهجاً تشاركياً يهدف إلى تمكين الشركات الوطنية من التوسع خارج الحدود، وهو ما ظهر جلياً في تنوع الشركات المشاركة في المنتدى، فالدولة هنا لا تعمل فقط كمسهل للإجراءات، بل كشريك استراتيجي يفتح الأبواب الموصدة أمام الاستثمارات الخاصة، وهذا يعكس إيماناً عميقاً بأن التنمية المستدامة في القرن الأفريقي لن تتحقق إلا عبر ضخ استثمارات حقيقية في قطاعات الإنتاج والخدمات، وليس فقط عبر المساعدات أو التبادل التجاري البسيط؛ فإريتريا تمثل أرضاً بكر للفرص الاستثمارية في مجالات مثل الزراعة المتطورة وصناعة الدواء والتشييد والبناء، وهي قطاعات حققت فيها مصر طفرات هائلة خلال العقد الأخير، مما يجعل نقل هذه التجارب إلى أسمرة بمثابة 'تصدير للنموذج التنموي المصري' الذي يراعي خصوصية واحتياجات الدول الجارة، ويسهم في بناء قدراتها الذاتية بعيداً عن نماذج الاستغلال التقليدية، مما يعزز من مكانة مصر كقائد إقليمي يسعى للرخاء المشترك.
من زاوية تحليلية أعمق، أرى أن هذا المنتدى يحمل رسالة سياسية مغلفة بلغة الاقتصاد، مفادها أن الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي هو مصلحة عليا للأمن القومي المصري، وأن أفضل وسيلة لتحقيق هذا الاستقرار هي خلق حالة من الاعتماد المتبادل بين دول المنطقة، فعندما ترتبط المصالح الاقتصادية لآلاف العمال والشركات بين مصر وإريتريا، يصبح الحفاظ على الأمن والسلم الإقليمي ضرورة وجودية للجميع، كما أن هذا التحرك المصري الفاعل في أسمرة يوازن القوى الإقليمية الأخرى ويؤكد حضور القاهرة القوي في ملفات البحر الأحمر الحيوية؛ إن الرؤية المصرية اليوم لم تعد تكتفي برد الفعل، بل تبادر بخلق فرص للتعاون في أكثر الملفات تعقيداً، وتستخدم 'الدبلوماسية التنموية' كأداة ناعمة لتمتين الروابط التاريخية، وهو ما يظهر في تأكيدات الوزير بدر عبد العاطي على دعم مصر الكامل لخطط التنمية الإريترية، مما يمنح المستثمر المصري ثقة كبيرة بأن استثماراته محمية بإرادة سياسية عليا من كلا الطرفين، ويشجع على الدخول في مشروعات طويلة الأمد بدلاً من الصفقات التجارية العابرة.
في الختام، يمكن القول إن منتدى الأعمال المصري–الإريتري ليس مجرد حدث بروتوكولي، بل هو تدشين لمرحلة جديدة من 'التكامل الذكي' الذي يستفيد من المزايا النسبية لكل طرف، ويضع حجر الأساس لشراكة اقتصادية عابرة للحدود تهدف لتحويل التحديات الجيوسياسية إلى فرص اقتصادية واعدة، وإن النجاح الحقيقي لهذا المنتدى سيقاس بحجم المشروعات التي ستبدأ في التنفيذ على أرض الواقع خلال الأشهر القادمة، وبمدى قدرة الطرفين على تذليل العقبات البيروقراطية والمالية التي قد تواجه المستثمرين، فالآمال معقودة على أن تكون هذه الشراكة نموذجاً يحتذى به في التعاون 'جنوب-جنوب'، حيث تجتمع الإرادة السياسية مع الطموح الاقتصادي لخلق واقع جديد يتسم بالنمو والازدهار لشعوب القرن الأفريقي والشمال الأفريقي على حد سواء، ليظل الطموح المصري في القارة مرتكزاً دائماً على مبدأ الربح للجميع والتنمية الشاملة التي لا تستثني أحداً.