زلزال في 'عرين الساحل': كيف أعادت الضربة الأميركية للمنوكي رسم خريطة الإرهاب العالمي؟Earthquake-in-the-Coastal-Den-How-the-US-Strike-on-Al-Manuki-Redrew-the-Map-of-Global-Terrorism
لم تكن العملية العسكرية الجوية التي استهدفت الرجل الثاني في تنظيم 'داعش' على الأراضي النيجيرية مجرد طلعة استكشافية أو ضربة عابرة ضمن سياق الحروب المفتوحة على الإرهاب، بل مثّلت نقطة تحول استراتيجية في موازين القوى الإقليمية والدولية. إن مقتل 'المنوكي' في قلب القارة السمراء يسلط الضوء على هجرة ثقل العمليات الإرهابية من الشرق الأوسط التقليدي إلى منطقة الساحل وغرب أفريقيا، التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى 'الملاذ الأخير' لإعادة تدوير خلايا التنظيم المتطرف. هذه الضربة تعكس يقظة استخباراتية متطورة وقدرة على اختراق الدوائر الضيقة جداً للتنظيم، مما يعني أن المظلة الأمنية التي كان يحتمي بها قادة الصف الأول قد تآكلت، وأن العمق الأفريقي الذي كان يُنظر إليه كمنطقة 'رخوة' آمنة للقيادة والسيطرة لم يعد كذلك. إن دلالة التوقيت والمكان تشير بوضوح إلى أن واشنطن وأبوجا قررتا تجفيف منابع التنسيق العابر للقارات في اللحظة التي كان التنظيم يحاول فيها تحويل نيجيريا إلى قاعدة انطلاق لعمليات خارجية تهدد الأمن العالمي، مما يجعل من هذا الاستهداف رسالة مشفرة لكل من يحاول استغلال هشاشة الحدود الأفريقية لإعادة بناء الخلافة المزعومة.
بالتعمق في دور 'المنوكي' ضمن الهيكل التنظيمي، نجد أننا لا نتحدث عن قائد ميداني يكتفي بإصدار الأوامر للقتال في الأدغال، بل نتحدث عن 'المهندس اللوجستي' وحلقة الوصل الحيوية التي كانت تربط خلايا التنظيم في إفريقيا بالقيادة المركزية المشتتة وبالأذرع النشطة في أوروبا وآسيا. إن فقدان هذا الرجل يعني انقطاع 'كابل' الاتصال الاستراتيجي الذي كان ينسق من خلاله التنظيم تدفق الأموال، والمقاتلين الأجانب، والخبرات التقنية المتعلقة بصناعة المتفجرات الرقمية والتقليدية. من وجهة نظري التحليلية، فإن هذا النوع من الكوادر يصعب استبداله في المدى القريب؛ لأنهم يعتمدون على شبكة معقدة من العلاقات الشخصية والموالاة القبلية العابرة للحدود التي تستغرق سنوات لبنائها. لذا، فإن مقتل المنوكي لا يمثل خسارة بشرية فحسب، بل هو 'شلل إدراكي' سيصيب مفاصل التنظيم، مما سيجبر الخلايا المحلية في نيجيريا وتشاد والنيجر على التصرف بشكل معزول، وهذا بدوره يسهل مهمة القوات المسلحة الوطنية في الانفراد بكل خلية على حدة دون وجود غطاء تنسيقي يوحد جهودهم تحت راية واحدة.
من الزاوية الجيوسياسية، تعكس هذه العملية نجاحاً باهراً في التعاون العسكري بين الولايات المتحدة ونيجيريا، وهو تعاون شابه الكثير من التوتر في فترات سابقة بسبب ملفات حقوق الإنسان أو القيود على مبيعات الأسلحة. إن هذا التنسيق الميداني الذي أدى لإسقاط هدف بهذا الوزن يشير إلى وجود 'اتفاق ضرورة' جديد يقضي بأن أمن غرب أفريقيا هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الأميركي. من الواضح أن هناك تكنولوجيا مراقبة متطورة وطائرات بدون طيار من الجيل الحديث قد استُخدمت في تعقب المنوكي، مما يثبت أن الغطاء الجغرافي المعقد لنيجيريا لم يعد يشكل عائقاً أمام الدقة الجراحية للضربات الأميركية. هذا التطور يضع الجماعات المسلحة الأخرى في المنطقة، مثل بوكو حرام وتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، تحت ضغط هائل، إذ يدركون الآن أن الحماية الميدانية قد انتهت، وأن أي تحرك لوجستي كبير سيتم رصده وتحييده على الفور، مما يعيد الثقة للدولة النيجيرية في فرض سيادتها على مناطق النفوذ المضطربة.
قراءتي الشخصية لهذا الحدث تذهب إلى ما هو أبعد من النشوة العسكرية المؤقتة؛ فالتاريخ علمنا أن تنظيمات مثل 'داعش' تمتلك قدرة عجيبة على 'الترميم الذاتي' من خلال توليد قيادات جديدة من رحم المعاناة والظروف الاقتصادية المتردية. ومع ذلك، فإن الضربة هذه المرة مختلفة لأنها استهدفت 'العقل التنسيقي' في وقت يعاني فيه التنظيم من أزمة تمويل حادة وتضييق دولي على تحركات الأموال عبر العملات المشفرة. إن غياب المنوكي سيفجر صراعات داخلية على القيادة بين الفصائل المختلفة داخل 'ولاية غرب أفريقيا'، حيث سيسعى كل تيار لإثبات جدارته بالخلافة، وهو ما قد يؤدي إلى انشقاقات تضعف التنظيم من الداخل أكثر مما تفعل الضربات الخارجية. إن السقوط المدوي لهذه الحلقة الوصل يعني أن 'العولمة الإرهابية' التي كان يطمح إليها التنظيم قد تلقت طعنة في القلب، مما قد يحوّل النشاط الإرهابي إلى مجرد تمرد محلي بلا رؤية عالمية، وهو ما يسهل حصاره فكرياً ومادياً في المستقبل المنظور.
ختاماً، يمكن القول إن سقوط المنوكي في نيجيريا ليس نهاية القصة، بل هو فصل جديد من فصول تفكيك الأسطورة التي حاول 'داعش' بناءها حول قدرته على البقاء والتمدد. إن الطريق نحو استئصال شأفة الإرهاب لا يزال طويلاً ويتطلب ما هو أكثر من مجرد صواريخ دقيقة؛ يتطلب الأمر معالجة الجذور التنموية والاجتماعية التي تجعل من القارة الأفريقية بيئة خصبة للاستقطاب. هذه الضربة منحت العالم 'فرصة ذهبية' لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق، وعلى القوى الإقليمية استغلال هذا الفراغ القيادي في التنظيم لشن حملات توعوية وعمليات عسكرية مكثفة لإنهاء هذا الكابوس. إن العبرة ليست في قتل الأفراد بقدر ما هي في تدمير 'الشبكات' وتجفيف 'الأفكار'، ويبقى مقتل المنوكي برهاناً ساطعاً على أن اليد الطولى للعدالة الدولية قادرة على الوصول إلى أبعد الزوايا المظلمة، لتبعث رسالة طمأنة إلى الشعوب التي عانت طويلاً من ويلات التطرف العابر للحدود.