زلزال في قلعة القرش المسفيوي: حينما يصطدم «جنون العظمة» بغضب المدرجاتEarthquake-in-the-Safi-Shark-Fortress-When-Megalomania-Clashes-with-the-Anger-of-the-Stands
في قلب مدينة المحيط، حيث تتلاطم أمواج الأطلسي مع طموحات جماهير عريضة لا ترضى بغير التألق بديلاً، يعيش نادي أولمبيك آسفي واحدة من أدق فتراته التاريخية، ليس فقط على مستوى النتائج التقنية، بل على مستوى التصدع الصارخ في جدار الثقة بين القاعدة الجماهيرية وهرم السلطة التسييرية. لقد جاء البلاغ الأخير لفصيل «ألترا شارك»، المساند الوفي للقرش المسفيوي، ليكون بمثابة صرخة مدوية في وادٍ من الصمت المطبق، محذراً من منزلقات خطيرة قد تعصف باستقرار النادي العريق. هذه الصرخة لم تكن وليدة لحظة غضب عابرة، بل هي نتاج تراكمات من الإحباط والشعور بالخذلان تجاه رئاسة محمد الحيداوي، التي يراها الجمهور اليوم قد انحرفت عن مسارها المؤسساتي لتغرق في وحل الأنانية والبحث عن الأضواء الزائفة. إن المشهد الحالي في آسفي يعكس صراعاً كلاسيكياً في كرة القدم المغربية، حيث تتحول الأندية أحياناً من كيانات رياضية مجتمعية إلى منصات لتلميع الصور الشخصية، وهو ما ترفضه الجماهير التي تعتبر النادي ملكية عامة وجزءاً لا يتجزأ من هويتها وكرامتها، معتبرة أن أي تهاون في تدبير شؤونه هو طعنة في ظهر الوفاء الذي تقدمه تلك الجماهير صيفاً وشتاءً.
إن تحليل لغة البلاغ الناري الذي أصدره فصيل «ألترا شارك» يكشف عن عمق الفجوة النفسية والتدبيرية؛ فاستخدام مصطلحات مثل «جنون العظمة» و«الاهتمام المبالغ فيه بالصورة الشخصية» لم يأتِ من فراغ، بل هو تشخيص دقيق لحالة يراها المشجعون تتمثل في تقديم الأنا على حساب مصلحة الكيان. من وجهة نظري، يكمن الخطر الأكبر عندما يشعر الفاعل الرياضي أن نجاح النادي هو نجاح شخصي محض، بينما الفشل هو مسؤولية الآخرين، وهذا النوع من «النرجسية التسييرية» غالباً ما يؤدي إلى عزل الرئيس عن واقع الفريق واحتياجاته التقنية والبشرية. الفصيل المساند وضع إصبعه على الجرح حين أكد أن مصلحة الفريق هي المحرك الوحيد لضبط النفس، وهي رسالة مشفرة مفادها أن الصبر قد نفد، وأن الحصانة التي قد يتوهمها أي مسير هي حصانة مؤقتة تنتهي بمجرد المساس بهيبة النادي واستقراره. إن الانتقاد اللاذع للحيداوي يمثل تحولاً جذرياً في علاقة الالتراس بالإدارة، من الدعم المشروط إلى المعارضة الصريحة، مما يضع مستقبل الفريق على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة إذا لم يتم تدارك الموقف بحكمة وتواضع.
بالنظر إلى الوضع التقني والإداري لأولمبيك آسفي، نجد أن التخبط ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة طبيعية لغياب استراتيجية واضحة المعالم تتجاوز الشخصنة. إن الانهيار الذي يتحدث عنه الجمهور لا يقتصر فقط على سبورة الترتيب، بل يمتد ليشمل الهوية الكروية للفريق وفقدان البوصلة في الانتدابات والتعامل مع الأطقم التقنية. عندما ينشغل رأس الهرم بصناعة «براند» شخصي له عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو في المحافل العامة على حساب الجلوس على طاولة العمل التقني الرصين، فإن النتيجة الحتمية هي التفكك. رؤيتي الشخصية هي أن الأندية الوطنية، وأولمبيك آسفي نموذجاً، تحتاج إلى «رئيس مؤسساتي» وليس «رئيس نجم»؛ رئيس يؤمن بأن قوة النادي في استمرارية هياكله وليس في قوة تصريحاته أو عدد المتابعين لصفحاته. ما يقع في آسفي اليوم هو درس لكل المسيرين في البطولة الوطنية: الجمهور قد يغفر كبوة جواد في مباراة أو خسارة لقب، لكنه لن يغفر أبداً الاستعلاء والتعامل مع النادي كضيعة خاصة أو وسيلة لتحقيق مآرب لا تخدم الكرة المسفيوية في شيء.
العلاقة بين الالتراس والإدارات في المغرب لطالما كانت علاقة شد وجذب، لكن في حالة «ألترا شارك» والحيداوي، نلمس نوعاً من «الوصاية الإيجابية» التي يمارسها الجمهور لحماية إرثه. الفصيل لا يطالب بالضرورة بتغيير الأسماء لمجرد التغيير، بل يطالب بتغيير العقلية التي تُدار بها الأزمات. إن التحذير من مغبة استمرار الوضع الحالي هو بمثابة إنذار أخير قبل الدخول في مرحلة «العصيان الرياضي» التي قد تعطل مسيرة الفريق تماماً. التحليل العميق لهذه الأزمة يظهر أن المشكلة تكمن في غياب التواصل الحقيقي والشفاف؛ فبدلاً من لغة الخشب والتبريرات الواهية، ينتظر الشارع المسفيوي كشف حساب حقيقي يوضح أين ذهبت الوعود بالاستقرار والنهضة. الانهيار الذي يخشاه الجميع هو الانهيار المعنوي الذي يجعل اللاعبين والمشجعين يشعرون بأنهم في سفينة بلا ربان مهتم بالوجهة بقدر اهتمامه بوقفته على المنصة، وهو شعور قاتل لأي روح تنافسية قد تقود الفريق نحو منصات التتويج أو على الأقل تضمن له البقاء المشرف بين الكبار.
في الختام، لا يمكن قراءة بلاغ «ألترا شارك» إلا كوثيقة تصحيحية تفرض على محمد الحيداوي ومكتبه المسير وقفة تأمل جدية ومراجعة شاملة للذات قبل فوات الأوان. إن أولمبيك آسفي، بتاريخه العريق وجماهيره الشغوفة، يستحق إدارة تنصهر في بوتقة العمل الجماعي، وتضع «كاريزما الكيان» فوق «كاريزما الفرد». إن المخرج الوحيد من هذه الأزمة الخانقة يكمن في تغليب لغة العقل، والتخلي عن «برج العاج» التسييري، والنزول إلى أرض الواقع للاستماع لنبض المدرجات الذي يمثل الحقيقة الوحيدة في عالم كرة القدم. الكرة الآن في معسكر الرئاسة؛ فإما الاستجابة لمطالب التغيير الهيكلي والعودة إلى جادة الصواب، وإما مواجهة عاصفة قد تقتلع جذور الاستقرار الهش وتضع النادي في مهب المجهول. يبقى الأمل معلقاً على حكمة العقلاء في مدينة آسفي لإعادة الهدوء لبيت «القرش»، لأن قوة هذا الفريق كانت دائماً في اتحاد مكوناته، وأي شرخ في هذا الاتحاد هو خسارة ليست فقط لآسفي، بل لكرة القدم المغربية التي تفتخر بجمهور استثنائي مثل «الشارك» وبنادٍ له بصمته الخاصة في سجلات البطولة.