سيادة الطاقة في المغرب: قراءة في استراتيجية بنعلي لتأمين شرايين الاقتصاد الوطنيEnergy-sovereignty-in-Morocco-an-analysis-of-Benali-strategy-to-secure-the-arteries-of-the-national-economy
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يعيشها العالم اليوم، أصبحت مسألة تأمين الإمدادات الطاقية لا تندرج فقط ضمن خانة التدبير الاقتصادي، بل تحولت إلى ركيزة أساسية من ركائز السيادة الوطنية. ومن هذا المنطلق، تأتي تصريحات السيدة ليلى بنعلي، وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، أمام قبة البرلمان لتعيد صياغة المشهد الطاقي المغربي برؤية ملؤها الطموح والحذر في آن واحد. إن كشف الوزيرة عن قفزة نوعية في القدرات التخزينية للمواد الطاقية، بنسبة زيادة بلغت 30 في المائة منذ عام 2021، ليس مجرد رقم عابر في تقرير وزاري، بل هو مؤشر على تحول استراتيجي في كيفية تعامل المغرب مع مخزونه الاحتياطي. فالوصول إلى عتبة 3.2 مليون متر مكعب بحلول عام 2025 يعني أن المملكة تبني درعاً واقياً ضد تقلبات الأسعار العالمية واضطرابات سلاسل التوريد التي أربكت أقوى الاقتصادات العالمية في الآونة الأخيرة. هذا التوجه يعكس وعياً عميقاً بأن الاستقلال الطاقي يبدأ من القدرة على التحكم في المخزون وتأمينه لفترات زمنية كافية تضمن استمرارية الدورة الاقتصادية والاجتماعية دون ارتباك، وهو ما يضع المغرب في وضعية مريحة نسبياً مقارنة بسنوات سابقة كانت فيها الهواجس المرتبطة بنفاد المخزون تطل برأسها مع كل أزمة دولية.
بالتعمق في الأرقام والمؤشرات التي قدمتها الوزارة، نجد أن الرهان على تعزيز البنية التحتية للتخزين يمثل استثماراً في المستقبل قبل أن يكون حلاً لآثار اللحظة. إن تخصيص ميزانيات ضخمة لرفع سعة التخزين يعكس شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، حيث يتم تحفيز الفاعلين في قطاع المحروقات على المساهمة في هذا المجهود الوطني. ومن وجهة نظري، فإن هذا النمو بنسبة 30 في المائة يمثل استجابة عملية لدروس جائحة كورونا والأزمة الأوكرانية، اللتين أثبتتا أن الدول التي تفتقر لمساحات تخزين واسعة تظل رهينة للتقلبات الفجائية والمضاربات الدولية. المغرب اليوم لا يكتفي بشراء الطاقة، بل يطور "خزاناته الاستراتيجية" ليكون قادراً على المناورة في أسواق النفط الدولية، واقتناص فرص انخفاض الأسعار لتعزيز مخزونه. هذا المسار يتطلب نفساً طويلاً ومراقبة دقيقة لمشاريع التخزين قيد الإنجاز، لضمان تسليمها في الآجال المحددة عام 2025، وهو ما سيجعل من المغرب منصة لوجستيكية طاقية هامة في المنطقة، قادرة ليس فقط على تلبية احتياجاتها الداخلية، بل وربما التحول إلى فاعل إقليمي في مجال التخزين وإعادة التوزيع في المستقبل القريب.
لكن، ومع هذه النبرة المتفائلة بشأن المخزون العام للمحروقات، وضعت السيدة بنعلي إصبعها على الجرح الحقيقي الذي يتمثل في "غاز البوتان" و"وقود الطائرات". هذان المنتجان ليسا مجرد مشتقات نفطية، بل هما عصب الحياة اليومية والنشاط السياحي في المملكة. غاز البوتان في المغرب هو مادة ذات حساسية اجتماعية مفرطة، حيث تعتمد عليه ملايين الأسر المغربية في معيشتها اليومية، وأي اهتزاز في سلاسل توريده أو مخزونه قد يؤدي إلى تداعيات اجتماعية لا تحمد عقباها. أما وقود الطائرات، فهو المحرك الأساسي لقطاع السياحة الذي يطمح المغرب عبره لاستقطاب ملايين السياح تماشياً مع رؤية 2030 واستضافة كبرى التظاهرات العالمية. التحدي هنا يكمن في الطبيعة اللوجستيكية المعقدة لتخزين وتوزيع هذه المواد؛ فغاز البوتان يتطلب منشآت تخزين بمواصفات تقنية وأمنية عالية جداً، بينما يحتاج وقود الطائرات إلى سلاسل توريد تضمن الجودة الفائقة والسرعة في التزويد لتلبية الطلب المتزايد في المطارات الكبرى. إن اعتراف الوزيرة بهذا التحدي هو خطوة أولى نحو الحل، حيث يتطلب الأمر استثمارات نوعية ومبتكرة تتجاوز مجرد بناء المستودعات إلى تطوير شبكات أنابيب وأنظمة رقمية لمراقبة المخزون لحظة بلحظة.
من منظور تحليلي، أرى أن المغرب يسير في حبل مشدود بين ضرورة تأمين الوقود الأحفوري كحاجة ملحة وآنية، وبين الالتزامات الدولية والطموحات الوطنية في مجال الانتقال الطاقي نحو الطاقات المتجددة. إن الاستثمار في سعة تخزين تصل إلى 3.2 مليون متر مكعب يجب ألا يصرف الانتباه عن الهدف الأسمى وهو تقليل التبعية للمحروقات المستوردة. ومع ذلك، يظل التخزين "شراً لابد منه" في المرحلة الانتقالية الحالية، إذ لا يمكن الحديث عن طاقة خضراء دون وجود قاعدة طاقية تقليدية صلبة تضمن استقرار الشبكة وتلبي احتياجات النقل والصناعة والبيوت. ما نحتاجه اليوم هو تكامل بين هذه الاستراتيجية التخزينية وبين سياسة النجاعة الطاقية، بحيث لا يتحول التخزين إلى مبرر للاستهلاك المفرط، بل ليكون أداة لإدارة الأزمات فقط. كما أن التحدي المرتبط بوقود الطائرات يفتح الباب أمام نقاشات جدية حول إنتاج الوقود المستدام (SAF) محلياً، وهو ما قد يحول التحدي الذي ذكرته الوزيرة إلى فرصة استثمارية ذهبية تجعل من المطارات المغربية رائدة في استخدام الطاقة النظيفة، وتخفف الضغط على المخزونات التقليدية المستوردة.
ختاماً، يمكن القول إن خارطة الطريق التي رسمتها ليلى بنعلي تمثل خطوة شجاعة نحو تحصين الأمن الطاقي المغربي، لكن العبرة تظل دائماً في التنفيذ والاستمرارية. إن الوصول إلى عام 2025 بمخزون كافٍ وبنية تحتية متطورة سيكون انتصاراً تقنياً وسياسياً بامتياز، شريطة أن تواكب هذه القفزة في التخزين إصلاحات هيكلية في منظومة التوزيع ومراقبة الأسعار لضمان وصول ثمار هذا الاستقرار إلى جيب المواطن البسيط. إن الرهان على غاز البوتان ووقود الطائرات يستدعي يقظة مستمرة وتنسيقاً عابراً للقطاعات، لأن الطاقة في نهاية المطاف هي المحرك الذي لا ينبغي أن يتوقف أبداً. وبينما نترقب تحقيق الأرقام المعلنة، يبقى الأمل معقوداً على أن تتحول هذه المخازن الضخمة إلى صمام أمان يحمي المغاربة من تقلبات سوق عالمية لا ترحم، ويمهد الطريق نحو مستقبل تكون فيه الطاقة وسيلة للتنمية والرفاه، لا عبئاً يثقل كاهل الميزانية العمومية والقدرة الشرائية. إنها رحلة طويلة نحو السيادة الكاملة، تبدأ بصهاريج التخزين، وتنتهي بابتكار حلول طاقية محلية مستدامة تليق بطموحات المملكة المغربية في القرن الحادي والعشرين.