انتفاضة غزالة سوس: كيف قلب حسنية أكادير الطاولة على قرش المسفيويين في ليلة تألق بابا إيلو؟ghazalat-souss-uprising-how-hassania-agadir-turned-the-tables-on-safi-sharks-during-baba-ilou-brilliant-night
في ليلة كروية حبست الأنفاس على أرضية الملعب البلدي بمدينة برشيد، أثبتت كرة القدم المغربية مجدداً أنها لا تعترف بالبدايات بل بالخواتيم، حيث شهدنا فصلاً جديداً من فصول الإثارة في البطولة الاحترافية ضمن الجولة الثامنة عشرة. لم تكن مواجهة حسنية أكادير وأولمبيك آسفي مجرد مباراة عابرة في جدول الدوري، بل كانت صراعاً لإثبات الذات وتصحيح المسار بين مدرستين عريقتين في الكرة الوطنية. دخل الفريق السوسي المباراة وهو يحمل طموحات جماهيره العريضة التي لم تتوقف يوماً عن دعم "الغزالة"، بينما كانت طموحات "القرش المسفيوي" تصطدم برغبة أكادير في استعادة التوازن. اللقاء الذي نُقل بعيداً عن معقل الحسنية المعتاد، لم يفقد بريقه، بل زاد من حدة التنافسية، حيث بدا أن كل فريق يسعى لفرض أسلوبه وتكتيكه الخاص منذ الصافرة الأولى، مما خلق أجواءً مشحونة بالترقب والآمال المعقودة على أقدام اللاعبين فوق المستطيل الأخضر.
انطلقت المباراة بضغط مفاجئ من جانب الضيوف، حيث لم يمهل أولمبيك آسفي خصمه الكثير من الوقت لترتيب أوراقه. وفي الدقيقة التاسعة، ومن هجمة منظمة عكست الرؤية الفنية لمدرب الفريق العبدي، نجح اللاعب موسى كوني في مباغتة الدفاع السوسي وتسجيل هدف التقدم. هذا الهدف المبكر كان بمثابة صدمة كهربائية في جسد المباراة، إذ وضع حسنية أكادير في موقف حرج أمام جماهيره المتابعة خلف الشاشات، وزاد من الضغوط النفسية على اللاعبين. من وجهة نظري، كان هذا الهدف نتيجة لعدم التركيز الذهني الدفاعي في اللحظات الأولى، وهو خطأ يتكرر كثيراً في مباريات البطولة حيث يطغى الحذر المبالغ فيه أحياناً على الجاهزية البدنية. ومع ذلك، فإن قوة الفريق الحقيقية تظهر في كيفية التفاعل مع مثل هذه الصدمات، وهو ما جعلنا ننتظر ردة فعل قوية من الكتيبة السوسية التي رفضت الاستسلام مبكراً لواقع التأخر في النتيجة.
ومع استمرار الشوط الأول والدخول في أطوار الشوط الثاني، بزغ نجم لم يكن عادياً في سماء برشيد، وهو اللاعب بابا إيلو الذي نصب نفسه بطلاً قومياً لمدينة أكادير في تلك الأمسية. لقد قدم هذا اللاعب درساً في الإصرار والتحرك الذكي داخل منطقة الجزاء، حيث استطاع بمهارة فائقة أن يفك شفرات الدفاع المسفيوي الذي كان يبدو متماسكاً في البداية. تسجيله لهدفين لم يكن مجرد صدفة، بل كان تتويجاً لعمل جماعي ضخم وضغط هجومي متواصل مارسه لاعبو الحسنية الذين سيطروا على وسط الميدان بفضل التمريرات القصيرة والانتشار العرضي الناجح. إن قلب التأخر إلى فوز يتطلب شخصية قوية وقائداً ميدانياً يعرف متى يضرب، وهذا ما فعله بابا إيلو الذي استغل كل ثغرة في جدار أولمبيك آسفي ليحول مسار الثلاث نقاط من آسفي إلى أكادير، معلناً عن عودة الروح لـ "غزالة سوس" في وقت كان الفريق بأمس الحاجة فيه لهذا الانتصار المعنوي قبل أن يكون رقمياً.
بالنظر إلى الجانب التكتيكي والتحليلي لهذه المواجهة، يمكن القول إن أولمبيك آسفي سقط في فخ الثقة المفرطة بعد تسجيله للهدف المبكر. التراجع الدفاعي المبالغ فيه للحفاظ على النتيجة منح لاعبي الحسنية المساحة الكافية لبناء الهجمات من الخلف والاعتماد على الأطراف، وهو ما شكل خطورة دائمة على مرمى القرش المسفيوي. كما أن التغييرات التي أجراها الطاقم التقني لأكادير كانت حاسمة في تنشيط الخط الهجومي وإعطاء نفس جديد للفريق في اللحظات الحرجة. من جهة أخرى، يبدو أن أولمبيك آسفي يعاني من متلازمة تراجع المردود البدني في الشوط الثاني، وهو ما جعل "جراحه تعمق" كما وصفت التقارير، حيث لم يستطع الفريق مجاراة الإيقاع السريع الذي فرضه الحسنية في الدقائق الأخيرة. هذا الفوز يرفع رصيد أكادير ويمنحهم دفعة هائلة للهروب من المناطق المكهربة في أسفل الترتيب، بينما يضع أولمبيك آسفي أمام تساؤلات جدية حول قدرة الفريق على الحفاظ على استقراره التقني والنتائج الإيجابية خارج الديار.
في الختام، تظل هذه المباراة درساً بليغاً في كرة القدم المغربية، مفاده أن المباراة لا تنتهي إلا بصافرة الحكم النهائية، وأن العزيمة يمكنها قهر أعتى الخصوم. حسنية أكادير بهذا الفوز المستحق، لم يكسب فقط ثلاث نقاط غالية، بل استعاد جزءاً من هيبته وكبريائه كواحد من كبار الكرة الوطنية. أما أولمبيك آسفي، فعليه مراجعة أوراقه سريعاً وتجاوز هذه الكبوة لضمان البقاء في دائرة المنافسة القوية. إن ما شاهدناه من ندية وإثارة يؤكد أن البطولة الاحترافية في موسمها الحالي ستظل مفتوحة على كل الاحتمالات، وأن الصراع في وسط وأسفل الترتيب لا يقل ضراوة عن صراع الصدارة. ستبقى ذكرى ثنائية بابا إيلو محفورة في أذهان السوسيين كلقطة مفصلية في مشوار الفريق هذا الموسم، ولعلها تكون نقطة الانطلاق الحقيقية نحو مراكز أكثر أماناً تعيد لجمهور أكادير الابتسامة التي طال انتظارها.