أنقاضٌ تحت مجهر المساءلة: قراءة سوسيولوجية وحقوقية في مأساة فاس الأخيرةRuins-under-the-microscope-of-accountability-a-sociological-and-human-rights-reading-of-the-recent-Fes-tragedy

Ruins-under-the-microscope-of-accountability-a-sociological-and-human-rights-reading-of-the-recent-Fes-tragedy


تستفيق مدينة فاس العريقة، التي طالما ارتبط اسمها بالعلم والحضارة والسكينة، على وقع صدمة مدوية أعادت إلى الأذهان هشاشة النسيج العمراني في بعض أحيائها المكلومة. إن الحادثة التي شهدتها المدينة في ذلك الصباح الكئيب ليست مجرد واقعة عابرة في سجل الحوادث اليومية، بل هي صرخة مكتومة تنبع من تحت الأنقاض لتسائل الضمير الجمعي والمسؤولية الإدارية على حد سواء. إن انهيار البنايات السكنية لا يمكن اختزاله في كونه قدراً محتوماً أو نتيجة لتقلبات جوية بسيطة، بل هو في جوهره انعكاس لمجموعة من التراكمات البنيوية التي تتداخل فيها العوامل التقنية بالإهمال البشري وغياب الرؤية الاستباقية في تدبير المخاطر الحضرية. عندما تتحول المنازل، التي يُفترض أن تكون ملاذاً آمناً لمواطنيها، إلى توابيت إسمنتية تزهق فيها الأرواح، نصبح أمام ضرورة ملحة لإعادة تعريف مفهوم الحق في السكن اللائق والحياة الكريمة، حيث لم يعد الصمت مقبولاً أمام تواتر هذه الفواجع التي تترك وراءها جراحاً غائرة في جسد المجتمع المغربي، وتؤكد أن الأرواح التي فُقدت هي أمانة في عنق القائمين على تدبير الشأن المحلي.

من وجهة نظر تحليلية، نجد أن تدخل المجلس الوطني لحقوق الإنسان عبر لجنته الجهوية لم يأتِ من فراغ، بل هو تجسيد لخطورة الموقف وارتباطه الوثيق بالمنظومة الحقوقية الشاملة. إن الانتقال من مرحلة الحزن والتعزية إلى مرحلة التحري والمتابعة الميدانية يعكس وعياً بضرورة القطع مع سياسة الإفلات من العقاب في شقها التدبيري. فالمشكلة الأساسية التي كشفت عنها مأساة فاس تكمن في الفجوة الواسعة بين التشريعات العمرانية الصارمة والواقع الميداني المتسم بالتسيب في بعض الأحيان أو بالتراخي في مراقبة الدور الآيلة للسقوط. إن التحليل السوسيولوجي لهذه الظاهرة يكشف لنا أن أغلب ضحايا هذه الانهيارات ينتمون إلى الفئات الهشة، مما يضعنا أمام مفارقة طبقية في الأمان السكني؛ حيث يصبح الفقر في حد ذاته عامل خطر يهدد الحق في الحياة. وهنا تكمن أهمية مطالب التحقيق المعمقة التي لا يجب أن تتوقف عند تحديد المسؤوليات المباشرة للمقاولين أو الملاك، بل يجب أن تمتد لتشمل مراجعة شاملة لآليات المراقبة ومنظومة الرخص وتتبع الحالة الإنشائية للمباني العتيقة، لضمان عدم تكرار هذا المشهد الجنائزي في مدن أخرى.

إن ما حدث في الحادي والعشرين من مايو هو بمثابة إنذار شديد اللهجة يستوجب وقفة تأمل حقيقية في سياسات التجديد الحضري. لا يمكننا أن نتحدث عن تنمية مستدامة أو مدن ذكية في حين لا تزال هناك عائلات تنام تحت أسقف لا تحمل سوى القلق والتهديد المباشر بالانهيار. وجهة نظري الشخصية ترى أن الاكتفاء بالتدابير الترقيعية بعد كل فاجعة لم يعد مجدياً؛ فالأمر يتطلب ثورة في فلسفة التعامل مع البنايات المهددة، تقوم على الشفافية المطلقة وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي. إن عمل فريق اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان يجب أن يكون مدعوماً بقوة القانون وبإرادة سياسية حقيقية لتغيير الوضع الراهن، بحيث يتم استنطاق التقارير التقنية السابقة، والتساؤل عما إذا كانت هناك تحذيرات قد تم تجاهلها، أو إذا ما كان هناك تقصير في تنفيذ قرارات الإخلاء أو الترميم. إن المصداقية في التعامل مع هذا الملف هي التي ستعيد الثقة للمواطن، وتثبت أن قيمة الإنسان المغربي هي الأولوية القصوى التي تعلو فوق كل المصالح الضيقة أو التعقيدات البيروقراطية التي عادة ما تُتخذ كذريعة للتملص من المسؤولية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن البعد النفسي والاجتماعي للعائلات المتضررة يتطلب استجابة لا تقل أهمية عن التحقيق القانوني. إن فقدان تسعة أشخاص في لحظة واحدة يترك فجوة عاطفية لا يمكن ردمها، ومهمة المجتمع والدولة هنا هي تقديم الدعم الشامل لضمان عدم ضياع الناجين في دوامة الفقر والتشرد. إن المتابعة الميدانية للحادث يجب أن تخرج بتوصيات عملية وقابلة للتطبيق فوراً، تشمل جردًا شاملاً وحقيقيًا لا استعراضيًا لكل المناطق السوداء في فاس وغيرها من المدن العتيقة. إنني أرى أن الوقت قد حان لاعتماد رقمنة شاملة لملف السكن الآيل للسقوط، تتيح للمواطنين وللمجتمع المدني تتبع حالة كل بناية بشكل علني، مما يخلق نوعاً من الرقابة الشعبية التي تساند الرقابة الرسمية. إن الصراحة مع النفس والاعتراف بوجود خلل عميق في المنظومة الرقابية هو أول خطوة نحو الحل، أما الاختباء خلف مبررات تقنية واهية فلن يؤدي إلا إلى انتظار الفاجعة القادمة بمزيد من العجز، وهو ما لا يمكن قبوله أخلاقياً أو إنسانياً في مغرب اليوم.

ختاماً، تبقى 'فاجعة فاس' درساً قاسياً ومؤلماً، يدعونا جميعاً إلى إعادة النظر في كيفية حماية حقنا المقدس في الحياة والأمان. إن التحقيق الذي باشرته الجهات الحقوقية والمسؤولة يجب أن يكون نبراساً ينير طريق الإصلاح الحقيقي، لا مجرد إجراء روتيني لتهدئة الرأي العام. لا بد من بناء استراتيجية وطنية متكاملة تستهدف استباق هذه الحوادث قبل وقوعها، من خلال تمويلات مبتكرة للترميم وإعادة الإيواء، وإرساء منظومة قانونية تحمّل كل طرف مسؤوليته المباشرة عن أي تقصير. لن يكون هناك عزاء حقيقي لأسر الضحايا إلا برؤية تغيير ملموس على أرض الواقع، يضمن ألا يتكرر مشهد الغبار والأنقاض في أي مدينة مغربية أخرى. إن الوفاء لذكرى الراحلين يتجلى في تحويل هذا الألم إلى طاقة للتغيير، وفي جعل سلامة المواطن هي المعيار الوحيد لنجاح أي سياسة عمومية في مجال التعمير والإسكان، بعيداً عن منطق الشعارات وبريق الأرقام الجافة التي لا تغني ولا تسمن من جوع أمام هيبة الموت وفقدان الأحبة.

المقالة التالية المقالة السابقة
No Comment
Add Comment
comment url