سيادة القانون وحماية الطفولة: رسائل ردع خلف قضية التحريض المثيرة للجدلRule-of-law-and-child-protection-deterrent-messages-behind-the-controversial-incitement-case
في خطوة تعكس التزاماً أخلاقياً وقانونياً يتجاوز الحدود الجغرافية، شهدت الأوساط القانونية والاجتماعية في دولة الإمارات مؤخراً حكماً قضائياً لافتاً يعيد تعريف مفهوم المسؤولية الفردية في الفضاء العام والخاص، حيث أصدرت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية حكماً مغلظاً بحق أحد المواطنين نتيجة تورطه في ممارسات تتعارض مع جوهر حقوق الإنسان وحماية الطفولة. إن هذا الحكم، الذي تضمن عقوبة السجن لثلاث سنوات مع غرامة مالية باهظة وصلت إلى خمسة ملايين درهم، لا يمثل مجرد عقوبة جنائية فحسب، بل هو إعلان صريح عن رفض الدولة لأي ممارسات قد تشجع على استغلال الفئات الهشة، لاسيما القاصرات، تحت أي مبرر كان. إن دلالة هذا الحكم تتجاوز الشخص المعني لتصل إلى المجتمع بأسره، مؤكدة أن القانون الإماراتي لا يقف صامتاً أمام التحريض على انتهاك كرامة الإنسان، حتى وإن كانت الأفعال المستهدفة تقع خارج النطاق الإداري للدولة، طالما أن المروج لها يحمل هويتها ويؤثر في وعي جمهورها، مما يبرز دور القضاء كدرع حامٍ للقيم الإنسانية العالمية.
من الناحية التحليلية، يظهر هذا الحكم الحزم الشديد الذي تتبعه دائرة أمن الدولة في التصدي لخطاب الكراهية أو التحريض الذي قد يشوه صورة الدولة ومكانتها المرموقة في المجتمع الدولي، إذ إن قضية زواج القاصرات تعد من القضايا الحساسة التي تحاربها المنظمات الحقوقية والتشريعات العصرية في كل مكان. وبالنظر إلى تفاصيل العقوبة المالية، نجد أن مبلغ الخمسة ملايين درهم يشكل رسالة ردع اقتصادية واضحة تهدف إلى كسر شوكة أي تفكير في استغلال المنصات الرقمية أو المجالس الخاصة لبث أفكار تشجع على انتهاك حقوق الأطفال في التعليم والنمو السليم والكرامة الجسدية. إن التحريض في سياق زواج القاصرات ليس مجرد رأي عابر، بل هو دعوة لشرعنة ممارسة تُصنف دولياً كأحد أشكال العنف ضد الأطفال، ولذلك فإن المحكمة نظرت إلى الأثر العميق لهذا التحريض كونه يهدد النسيج الأخلاقي ويمس بالتزامات الدولة الدولية تجاه اتفاقيات حماية الطفل التي وقعت عليها بكل اعتزاز.
إن وجهة نظري تجاه هذه القضية تتلخص في أن القضاء الإماراتي قد نجح في وضع حد فاصل بين حرية التعبير الشخصية وبين التحريض على ارتكاب مخالفات إنسانية واجتماعية جسيمة، حيث أن الفضاء الرقمي والواقعي لم يعودا معزلين عن الرقابة الأخلاقية والقانونية. إن الترويج لفكرة زواج القاصرات في دول أخرى مثل المغرب، يسيء إلى العلاقات الأخوية بين الشعوب ويهين القوانين المحلية لتلك الدول التي تسعى جاهدة لمحاربة هذه الظاهرة، مما يجعل من فعل المواطن المدان تعدياً مزدوجاً على القيم الإماراتية وعلى سيادة قوانين الأسرة في المغرب الشقيق. إنني أرى أن هذا الحكم يمثل انتصاراً للطفولة المهدرة، وهو بمثابة تحذير شديد اللهجة لكل من تسول له نفسه استغلال مكانته الاجتماعية أو المالية للترويج لأفكار رجعية تضر بمستقبل الفتيات الصغيرات، وتجعل منهن بضاعة في سوق النخاسة المقنع تحت مسميات الزواج التقليدي.
بالتأمل في التداعيات الاجتماعية لهذا الحكم، يمكننا أن نستخلص أن المجتمع بات مطالباً اليوم بالوعي الكامل بتبعات الكلمات التي تُطلق في الفضاء العام، فالغرامة المليونية ليست مجرد رقم، بل هي انعكاس لقيمة الضرر الذي يلحق بصورة المجتمع وسمعة المواطن الإماراتي الذي عُرف عنه دائماً الرقي والتحضر وحماية الضعفاء. إن هذا الحكم يسلط الضوء على أهمية الرقابة الذاتية والمجتمعية، ويشجع المؤسسات التعليمية والإعلامية على تعزيز خطاب يحترم حقوق المرأة والطفل، بدلاً من الانغماس في نقاشات تكرس للاستغلال. ومن الجدير بالذكر أن الربط بين العقوبة السجنية والمالية يؤكد شمولية الرؤية القضائية في قطع الطريق أمام تكرار مثل هذه الحوادث، مما يضمن بيئة اجتماعية نقية تركز على التنمية والبناء النفسي السليم للأجيال القادمة بعيداً عن أي مؤثرات تحريضية مشبوهة.
في الختام، يظل هذا الحكم القضائي علامة فارقة في تاريخ القضاء الاتحادي، حيث أثبتت دولة الإمارات أن سيادة القانون هي المظلة التي تحمي الجميع وتضرب بيد من حديد على يد كل من يتجاوز ثوابت الحقوق الإنسانية. إن الحماية القانونية للأطفال والنساء ليست مجرد نصوص في الكتب، بل هي واقع معاش يترجمه القضاة في أحكامهم ليكون عبرة لمن يعتبر، وتذكيراً بأن الكرامة الإنسانية فوق كل اعتبار مادي أو ثقافي مغلوط. نأمل أن تكون هذه القضية بداية لمرحلة جديدة من الوعي المجتمعي الشامل، حيث يدرك كل فرد أن سلوكه وتصريحاته هي مرآة لوطنه، وأن المساهمة في حماية حقوق الآخرين في أي بقعة من العالم هي جزء لا يتجزأ من هويتنا الوطنية والإنسانية، ليبقى مجتمعنا منارة للعدل والسمو الأخلاقي الدائم.